في مئوية الحرب العالمية الأولى، يبحر المخرج الإيطالي إيرمانو أولمي على مدار فيلمه "النبات الأخضر سيزهر" (إنتاج 2014)، بأسلوب شعري في العوالم النفسية والعاطفية والجسدية للمحاربين على الجبهة الأمامية الإيطالية في أثناء تلك الحرب، مدفوعاً بالدفق العاطفي والانطباع الذي تركته في ذاكرته قصص الحرب التي كان يرويها والده له، حيث شارك في تلك الحرب وأختبر قسوتها، ومستوحياً أحداث فيلمه من رواية "الخوف" التي كتبها فردريكو دي روبيرتو عام 1921. لا يصور المخرج الحرب مباشرة بل يكتفي بتصوير وضع جنود داخل ملجأ يراقبون الفضاء الخارجي وسط الثلوج المحيطة ويحتمون من قذائف يسمعون صوت انفجاراتها ثم تصلهم الأوامر بتركيب خط اتصال سلكي عوضا عن الخط المتضرر.
عشوائية الموت، العذاب العاطفي، الفقد، البؤس، اليأس، الخوف، التردد، الشجاعة غير المتوقعة، والثورة في لحظة الأزمة... وغيرها من الحالات النفسية المتباينة التي تعصف بالمحارب على الجبهة، نجح المخرج بنقلها إلى مشاهديه، وبجعلهم يشاركون أبطاله تلك التجارب والانفعالات، وعزز هذا بداية باختياره للخندق المدفون تحت الأرض - الذي يغطيه ويحيطه الثلج- كمكان تدور فيه أغلب أحداث الفيلم، مروراً بالصمت الذي لا يكسره سوى أصوات المدافع، والقمر الشاحب وظلال الأشجار الكئيب، وصولاً إلى العتمة التي لا تضيئها سوى القذائف، كل هذا ساهم برسم ملامح أجواء الحرب الكئيبة.
لا ينطوي الفيلم على حبكة تقليدية، وإنما على سلسلة من الأحداث التي تدور –كما أسلفنا-في الخندق والمنطقة الحدودية المحيطة به، على حد الأعداء الفاصل على الجبهة النمساوية.
أعمال إيرمانو أولمي تنتمي لما يسمى سينما المؤلف، حيث كتب وأخرج معظم أفلامه، واللافت أنه تناول ثيمة الحرب في عدد ليس بالقليل منها، وفيلمه "العشب سيزهر من جديد" ينتمي إلى هذه الأفلام التي تحمل في طياتها رسالة مناهضة للحرب، حيث قدم من خلاله وبأسلوبٍ منمقٍ نداءً لوضع حد للجنون المدمر للإنسانية، وشعار الفيلم هو خير ما يعبر عن هذا النداء "الحرب هو الوحش القبيح الذي يجول في الأرض ولا يتوقف أبداً"، فالمخرج غير متفائل بأن هذا الوحش سيتوقف، إنما بين جولة حرب وأخرى ثمة وقت مستقطع، لحظات قليلة من السكينة التي يمكن فيها للعشب الأخضر أن يزهر من جديد، وبعدها لن تلبث الحرب أن تعود ويعود معها القتل والموت، وهذا الفيلم ليس أول أفلام أولمي الذي تناول فيه ثيمة الحرب وانتقدها، والذي يشكل دراسة سوسيولوجية ونفسية عميقة، وإنما قبل ذلك بسنوات وتحديداً في العام 2001، كتب وأخرج فيلمه المعروف -والذي نال عنه تقديراً كبيراً "مهنة القتال" الذي تحدث فيه عن تاريخ أول ضحية للمدفعية الحديثة، عن حياة وموت جيوفاني ميدتشي القائد الشاب الشجاع في حرب شارل الخامس ضد البابا مطلع القرن السادس عشر.
فاكس: 00962.6.4633565
صندوق بريد: 940255 عمان 11194 الأردن
بريد إلكتروني AHSF@shoman.org.jo