أثارت الجريمتان اللتان ارتكبهما طالبا مدرسة في تركيا مؤخراً، وراح ضحيتهما عشرات من الطلاب في مشهد صدم الرأي العام التركي؛ وقد قامت الجهات المختصة في تركيا باتخاذ بعض الإجراءات بحق بعض الأعمال الدرامية التركية، ومنع مشاهد العنف في المسلسلات الدرامية.
أثار القرار بعض ردود الفعل بين صناع الدراما التركية، حيث اعتبروا أن هذه المشاهد لا تعدو جزءاً من الدراما التي يقدمونها، خاصة بعد ظهور نتائج التحقيقات التي أشارت بإصابة مرتكب حادثة إحدى المدرستين باضطرابات نفسية واتهام أهله بالإهمال.
ومن قلب هذا الجدل أعتقد أن موضوع العنف الذي أصبحنا نراه في الأعمال الدرامية العالمية بشكل عام، ومنها العربية يطرح تساؤلاً مهماً: هل أصبحت الأعمال الفنية في الدراما والسينما تفرط في تقديم العنف؛ مما أثر سلبياً على المجتمعات أم أن المشاهد يجب أن يملك من الوعي ما يفصل به بين ما يشاهد وبين ما يعيش؟
أعتقد أن الأمر يحتمل جزئيتين غاية في الأهمية، فأنماط الجريمة تغيرت وأصبح لها أشكال جديدة تختلف عما كنا نرى في العالم كله، وهذا الأمر مسلّم به وله عدة أسباب لا يمكن حصرها برأيي بما يتم تقديمه في الدراما والسينما، بل لها الكثير من الأسباب الأخرى منها ما هو اجتماعي واقتصادي إلى غير هذه الأسباب مثل دخول التكنولوجيا بشكل عميق في حياتنا؛ مما جعل العالم كأنه بلد واحد وانتشار الفقر والبطالة والبعد عن الأخلاقيات المختلفة وتحييد الوازع الديني جانباً إلى غير ذلك من الأسباب، إذا فإن القضية أعمق من موضوع الدراما والسينما، حيث أرى أن الأعمال الفنية مع دورها في إحداث بعض التغييرات الاجتماعية المختلفة إلا أنني اعتقد أن الموضوع لا يمكن تحميله بشكل كامل للأعمال الدرامية والسينمائية فقط، بل لبنية اجتماعية تأثرت بالكثير من العوامل.
واعتقد أن هناك وجهاً آخر لم نتحدث عنه للموضوع ألا وهو أن كثيرين يتحدثون عن دور الدراما والسينما -الذي لا يمكن إنكاره مع وجود تأثيرات أقوى منه خاصة في الأجيال الجديدة- في انتشار بعض التأثيرات السلبية ومنها: تغير أشكال الجريمة مثل ما سمعنا عنه مؤخراً في عدد من الجرائم التي حدثت في الأردن ومصر وعدة دول عربية، واستثارت الرأي العام، ولكن على النقيض، فإننا يجب التحدث عن الموضوع بشكل عكسي، أي ما دور المجتمع في صناعة الأعمال الدرامية والسينمائية، فبرأيي أن العلاقة تبادلية بحيث لا نستطيع تحميل أعمالنا الفنية مسؤولية الجريمة وأشكالها التي أصبحت تتجاوز المعقول والمنطق دون الإشارة إلى التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أصبحت مادة للأعمال الفنية خاصة تلك المستمدة من قصص حقيقة، وفي ذات الوقت، فإننا لا نستطيع تبرئة ساحتها، وأكبر دليل أن العلاقة بين هذا وذاك تبادلية أننا لو نظرنا إلى مجتمعاتنا في القديم وكذلك إلى أعمالنا الفنية نجد نسبة العنف أقل ونجد شكل الجريمة في المجتمع ليس كما هو عليه الآن وكأن الإنسان الذي كان يرتكب الجرائم قديماً ليس ذاته الذي يعيش اليوم، ويقتل ويحرق ويشوه!
برأيي أن على المعنيين بالترفيه الانتباه أكثر للعنف، حيث أصبح هناك أعمالاً فنية لا تكتفي بمشاهد معدودة من العنف، بل إننا أمام أعمال فيها مشاهد تحتفي بالعنف، وتجعل العمل يعتمد عليه اعتماداً أساسياً عليه وكأن الفكرة الأساسية للعمل أصبحت كيف تصبح بلطجياً بعد انتهاء هذا العمل الفني، أو ذاك وهذا ما يجب الانتباه له أكثر من مشاهد معدودة لأننا اليوم، نقف أمام عدد من الجرائم الخارجة عن المألوف التي حدثت في أكثر من دولة، وإن كنت أرى وجود علاقة غير مباشرة بين هذا وذاك.
وتبقى هناك جملة من التساؤلات لا بد لنا من طرحها: هل علينا أن نحد من بعض المشاهد العنيفة أسوة بالقرار الصادر عن الجهات المختصة في تركيا خاصة أن هذه المشاهد أصبحت تستنهض العنف، وتدفع كثيرين لتقليدها في انعدام واضح في القدرة على التمييز بين التمثيل والحقيقة؟
وتبقى الجرائم التي أصبحنا نسمع عنها خاصة في الآونة الأخيرة وغيرها من المظاهر الاجتماعية السلبية أمر لا يكتمل النظر عليه إلا من زوايا متعددة إنصافاً لكل وجهات النظر.