الأب في مجتمعاتنا اليوم الخروج عن الفطرة
يعتبر الأب عموداً أساسياً من أعمدة الأسرة، ومع المتغيرات التي أصابت مجتمعاتنا ودخولنا في عصر العولمة الذي أثر في حياتنا الاجتماعية، وتغيرت الأبوة لدى البعض، وأصبحنا نسمع عن كثير من الجرائم يقوم بها الآباء في حق أبنائهم، ما بين أب يقتل ابنه، ويحرق جثته إلى أب يقتل أبناءه الثلاثة، ويصور جريمته بالفيديو، ويرسلها إلى الأم بعد خلافات عائلية؛ مما يفتح الباب أمام تساؤلات أهمها: هل تغير معنى الأبوة وشكلها؟
مع أن الأب عرف رمزاً للتضحية، ولطالما تربينا ونحن نحمل في أذهاننا صورة الأب المضحي، الكريم، الحنون، الذي يتعب ويسهر، ومزج هذا الوجه الحنون المضحي للأب كما كنا نرى كثيراً من الآباء مع وجه الحزم وأحيانا القسوة.
الأب في دراما الثمانينات والتسعينات
وفي الدراما، فكانت صورة الأب من زوايا مختلفة، فتارة سلطت الضوء على صورة الأب الحنون وأحياناً أخرى ذلك الأب القاسي
انعكست صورة الأب في المجتمع على الصورة الأبوية في الأعمال الدرامية خاصة تلك التي قدمت في الثمانينات والتسعينات، ما بين الأب الحنون المضحي وهو صورة كانت منتشرة في مجتمعاتنا، وهذه الصورة قدمها كثيرون في الدراما السورية فمثلاً نجدها في مسلسل الفصول الأربعة في شخصية كريم أبي البنات الهادئ والواثق، فهو ذلك الأب المحبوب المستمع لبناته والناصح لهن بشكل دائم، ونرى في شخصية كريم مزيجاً من المحبة والدفء الذي تشعر فيه، ويتسرب إليك كمشاهد، وكان هناك الكثير من الأمثلة الأخرى على صورة الأب ليس فقط في الدراما الاجتماعية، بل تلك الكوميدية أيضاً مثل يوميات ونيس، وعودة غوار والبطل قدم دور الأب المكلوم الذي فقد ابنته، والتقاها بعد عشرين عاماً، وغيرها.
ورأينا نموذجاً على النقيض تماما للأب في التسعينات فمثلاً رأينا صورة الأب الذي يعامل ابنه بقسوة ظناً منه أن هذا الأسلوب يجعل منه رجلاً في لن أعيش في جلباب أبي، ولكن البطل عبد الغفور البرعي يكتشف في الحلقات الأخيرة أن هذه الطريقة سبب فشل ابنه خاصة بعد مشهد الحديث بينه وبين ابنه حيث يعاتبه الأخير على كل ما مر به في طفولته.
صورة الأب في دراما الألفية الجديدة
ومع الوقت اختلف الطرح لشخصية الأب قليلا ذلك لأن الشخصية الأبوية خضعت كما المجتمعات لتغيرات متسارعة، وكان لزاما على الدراما أن تواكب هذا الأمر فنجد شخصية الأب القاسي حاضرة بقوة أكبر، ولكنها مركبة أكثر، وتحمل أبعادا أكبر من مجرد شخصية قاسية، فنجد مثلا شخصية الفنان خالد تاجا في مسلسل أشواك ناعمة أب في منتهى القسوة، ولكن للأمر خلفية في الماضي قد يثير التعاطف مع الشخصية؛ مما يخلق لدى الأب شكاً مستمر تكون نهايته وخيمة، ونرى شخصية الأب القاسي في مسلسل على حافة الهاوية حيث تعرض منصور لظلم والده المستمر.
صورة الأب في الدراما خلال الحرب السورية
أما في فترة ما بعد الحرب، فقد قدمت الدراما السورية عددا من الشخصيات التي كانت مفصلية، وقدمت زوايا جديدة لشخصية الأب خاصة تلك التي أفرزتها الحرب في سوريا حيث نرى شخصية الأب في حلة جديدة فهو أب قاس وحنون في ذات الوقت مثل شخصية أبو عبده الغول في مسلسل الندم تلك الشخصية المركبة المتغيرة التي بدأت قاسية حازمة، وانتهت مكسورة عاجزة.
وانعكست أصداء الأوضاع السياسية والحرب بكافة آثارها على صورة الأب، فنراه تحول من مرب ومضحي إلى أب عاجز عن حماية أبنائه من المتغيرات، تتحكم الظروف في مجريات حياته وحياة أبنائه، وهذه النماذج كثيرة مثل شخصية الأب الذي قام به الفنان دريد لحام في مسلسل سنعود بعد قليل وأيضا مسلسل على قيد الحب وغير هذه المسلسلات، أي إن جوهر شخصية الأب تحول من شخصية مربي ومضحي يسهر على راحة أبناءه أو حتى أب يقسو على أبنائه في سبيل التربية والحياة الكريمة.
ولعل من أهم الأعمال الدرامية التي طرحت الصورة الأبوية في فترة الحرب السورية هو مسلسل البطل الذي عرض سنة 2025، حيث كانت شخصية الأب يوسف ترمز إلى سوريا وأوجاعها وما ذاقه أبناؤها، ففي تلك الشخصية كان يوسف أستاذا متعلما صاحب كلمة مسموعة في قريته إلى أن تعرض لحادثة أدت إلى شلله، وبدأ بعدها يواجه مع عائلته الحياة وظروفها في إشارة لا تخلو من الرمزية.
صورة الأب في بعض النماذج الدرامية الجديدة
أما اليوم، فنرى نماذج في الكثير من الأعمال الدرامية خاصة في السنوات الأخيرة تعكس التغيرات الاجتماعية المتسارعة مثل شخصية الأب المضحي في مسلسل اثنين غيرنا الذي عرض في رمضان 2026 وشخصية الأب القاسي الذي قدمه أحمد عزمي في مسلسل ميد تيرم.
ويبقى السؤال لماذا تغيرت الأبوة في مجتمعنا كل هذا التغير؟ وهل نجحت الدراما بالفعل بالتعبير عن المتغيرات التي أصابت السلطة الأبوية في كل المراحل وبدقة؟
ويبقى صورة الأب تتنوع ما بين الواقع اليومي الذي أصبح بعضه يخرج عن حدود الفطرة الإنسانية أو الدراما التي تتنوع فيها طرح الشخصية الأب، وتتطور وتتبدل تبعا للمتغيرات.