منذ البدايات الكبرى للأدب، ظهر الرجل غالباً في هيئة البطل الذي لا يتراجع: جسد قوي، شجاعة جارفة، رغبة في المجد، واستعداد لمواجهة البشر والآلهة معاً. نرى ذلك في جلجامش، وفي أخيل، وفي أوديسيوس، وإن اختلفت طبيعة البطولة بين القوة والغضب والحيلة. هؤلاء الأبطال لا يمثلون صورة “الرجل الكامل” بالمعنى الأخلاقي، بل صورة الإنسان الذي ترفعه الثقافة إلى مرتبة استثنائية وإلهية، ثم تضع في داخله عيباً قاتلاً يكسر وهم الكمال: غرور، غضب، رغبة في الخلود، أو عجز عن العودة إلى البيت دون خسارة.
فالبطل القديم لم يكن يعيش داخل سوق استهلاكي يبيع له جسده ومكانته ونساءه وثروته كعلامات قوة، بل داخل عالم كانت فيه الحرب والشرف والمجد والبطولة مرتبطة ببنية المجتمع نفسه. في المجتمعات القديمة، كانت القوة ليست مجرد صفة فردية، بل قيمة جماعية تدخل في صلب البقاء والهوية والدين والأسطورة. لذلك لم تكن البطولة الحربية تُفهم دائماً بوصفها مرضاً أخلاقياً أو نزعة عدوانية، بل بوصفها أحياناً جزءاً من نظام رمزي يعطي الجماعة معنىً ومكانة.
وفي التراث العربي القديم، نجد صورة قريبة من ذلك في تمجيد الفروسية والشجاعة والكرم وحماية القبيلة. عنترة بن شداد، مثلاً، ليس مجرد محارب، بل شخصية تتصارع فيها البطولة مع سؤال الحرية والاعتراف. وحرب البسوس لا تُستعاد فقط كحكاية قتال، بل كصورة عن الشرف والثأر والعصبية، حين تتحول إلى قدر طويل. وامرؤ القيس، على اختلافه عن صورة الفارس الصافي، يمثل جانباً آخر من الرجولة القديمة: الترحال، اللذة، الفقد، والبحث عن مُلك ضائع. هنا أيضاً ليست الرجولة مجرد جسد قوي، بل شبكة من القيم: النسب، الحماية، الشعر، الفروسية، والاعتراف الاجتماعي.
غير أن صورة الإنسان في الأدب والفن لم تبقَ ثابتة. مع التحولات الدينية والاجتماعية والسياسية، أخذت البطولة تتبدل. لم يعد البطل دائماً هو المنتصر في المعركة، بل قد يكون القديس، الزاهد، العاشق، الخاطئ، التائب، أو الإنسان الممزق بين الجسد والروح. ثم جاءت الحداثة لتحدث شرخاً أعمق: الحرب لم تعد ملحمة بعيدة تتغنى بها القبيلة، بل صارت آلة جماعية للسحق. والمدن الحديثة لم تخلق فقط فرصاً جديدة، بل خلقت عزلة جديدة. والإنسان لم يعد يُرى من الخارج فقط، بل صار يُفتش عنه في الداخل: في الرغبة، والخوف، والقلق، والعصاب، والطفولة، والأحلام.
في هذا السياق يظهر إيغون شيله بوصفه فناناً مضاداً لفكرة الإنسان المصقول. لم يكن شيله معنيّاً بأن يقدم الجسد في أفضل صورة ممكنة، ولا بأن يجعل الإنسان يبدو متماسكاً، منتصراً، أو نبيلاً على الدوام. لقد رسم الجسد كما لو أنه اعتراف مكشوف: أطراف حادة، عظام بارزة، نظرات قلقة، وضعيات متوترة، وفراغ يحيط بالشخصية كأنه يعزلها عن العالم. في لوحته “رجل عارٍ جالس” لا يبدو الجسد رمزاً للسيطرة، بل مساحة هشاشة. الجسد هنا ليس درعاً، بل جرحاً مرئياً.
ولهذا تبدو تجربة شيله مهمة في مواجهة أسطورة الـ Alpha Male. فهذه الأسطورة الحديثة لا تكتفي بتمجيد القوة، بل تحاول تحويل القوة إلى شكل جاهز: جسد مفتول، ثروة ظاهرة، علاقات عابرة، برود عاطفي، قدرة على السيطرة، ورفض لأي مظهر من مظاهر الضعف. إنها لا تقول للرجل: كن شجاعاً، بل تقول له: لا تُظهر خوفك. لا تقول له: كن مسؤولاً، بل تقول له: كن مهيمناً. لا تقول له: افهم نفسك، بل تقول له: اصنع صورة لا يستطيع الآخرون تجاهلها.
وهنا تدخل صناعة الثقافة. فالأفلام والإعلانات ومنصات التواصل لا تكتفي بعكس الرغبات الموجودة في المجتمع، بل تعيد ترتيبها، وتضخيمها وتقديمها كحلم قابل للشراء. في أفلام مثل Rambo، يظهر الجسد الذكوري كآلة نجاة وانتقام، جسد يستطيع أن يحمل تاريخ الهزيمة، ويحوله إلى قوة عضلية. وفي Troy، يعود أخيل في هيئة البطل الجميل القاتل، الرجل الذي تتحول سرعته وغضبه وجسده إلى مشهد بصري للهيمنة. أما James Bond، فيمثل نموذجاً آخر: الرجل الأنيق، الهادئ، الذكي، القادر على القتل والإغواء والسفر وامتلاك الأشياء، دون أن يبدو محتاجاً إلى أحد.
هذه النماذج ليست سيئة بالضرورة بوصفها مواد سينمائية. المشكلة تبدأ حين تتحول من خيال درامي إلى معيار اجتماعي. فالمتلقي لا يشاهد البطل فقط، بل قد يتماهى معه، وقد يبدأ في مقارنة نفسه به، لا بوصفه شخصية مكتوبة ضمن شروط الفيلم، بل بوصفه نموذجاً للحياة. هنا تصبح السينما مختبراً للرغبة: تعلمنا كيف ننظر إلى القوة، وكيف نرتب الجسد، وكيف نفهم العلاقة بين المال والجاذبية والسيطرة.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية أفلام مثل Fight Club وAmerican Psycho وThe Wolf of Wall Street. فهذه الأعمال لا تقدم الذكورة الاستعراضية بصورة بريئة تماماً، بل تكشف غالباً فراغها الداخلي. في Fight Club، يتحول الرجل الذي سحقته الوظيفة والاستهلاك والفراغ العاطفي إلى نسخة عنيفة تبحث عن المعنى في الألم والقتال. لكن المفارقة أن كثيرين تلقوا الفيلم لا بوصفه نقداً للذكورة المريضة، بل بوصفه دليلاً عليها. وPatrick Bateman في American Psycho ليس رجلاً ناجحاً بقدر ما هو قناع استهلاكي مرعب: جسد مدرب، بدلة فاخرة، بطاقات عمل، مطاعم، وموسيقى، لكن الداخل فارغ إلى حد الوحشية. أما Jordan Belfort في The Wolf of Wall Street فيحوّل المال والجنس والمخاطرة إلى كرنفال صاخب، يكشف كيف يمكن للسوق أن يجعل الانهيار الأخلاقي يبدو جذاباً.
بهذا المعنى، لا تعيش أسطورة الـ Alpha Male في الأفلام وحدها، بل في اقتصاد كامل من المنتجات والخطابات. هناك دائماً ما يُباع للرجل بوصفه طريقاً إلى التفوق: الجسد، الساعة، السيارة، العطر، الدورة التدريبية، نصائح المواعدة، المكملات، لغة “الرجل عالي القيمة”، وحتى القسوة العاطفية حين تُقدم على أنها نضج أو قوة. وبذلك لا تعود الذكورة تجربة إنسانية معقدة، بل تصبح زياً اجتماعياً: من يلبسه يبدو ناجحاً، ومن يعجز عنه يشعر بالنقص.
والطريف أن المصطلح نفسه يستند إلى استعارة علمية مضللة. فقد شاع تصور “الذئب الألفا” من دراسات قديمة على ذئاب تم أسرها، حيث بدت الجماعة وكأنها قائمة على صراع صارم للهيمنة. لكن دراسات لاحقة على الذئاب في البرية أوضحت أن القطيع غالباً ما يكون عائلة، وأن “القائد” ليس بالضرورة ذكراً انتزع السلطة بالعنف، بل أب أو زوج ضمن بنية أسرية. وهذا لا يعني أن الطبيعة تخلو من التراتب أو الصراع، بل يعني أن استعارة “الألفا” حين تُنقل إلى البشر تصبح اختزالاً شديد الفقر: فهي تأخذ من الحيوان صورة مبسطة، ثم تستعملها لتبرير نموذج اجتماعي ضيق.
حتى الدراسات الأحدث التي ربطت بين بعض الطفيليات مثل Toxoplasma gondii وبين زيادة الجرأة أو المخاطرة لدى الذئاب لا تمنحنا دليلاً على صحة أسطورة الألفا البشرية، بل تكشف العكس: السلوك الحيواني أعقد من أن يتحول إلى شعار على الإنترنت. فالجرأة قد تكون نتيجة سياق بيئي، أو بنية عائلية، أو عامل بيولوجي، أو ظرف نجاة. أما الإنسان، فاختزاله في سلم هرمي من “ألفا” و”بيتا” و”أوميغا” ليس علماً، بل تبسيط ثقافياً يخفي هشاشة أعمق.
لذلك يمكن القول إن مشكلة الـ Alpha Male ليست في القوة ذاتها. القوة ليست خطأ. الجسد الصحي ليس خطأ. الطموح ليس خطأ. الجرأة ليست خطأ. المشكلة تبدأ حين تتحول القوة إلى تمثيل دائم، وحين يصبح على الرجل أن يبدو غير قابل للكسر حتى وهو مكسور، وأن يبدو مسيطراً حتى وهو خائف، وأن يحوّل علاقاته إلى دليل على قيمته، وأن يحوّل ماله وجسده وممتلكاته إلى براهين على وجوده.
هنا يعود شيله ليقدم صورة مضادة. فالإنسان عنده ليس تمثالاً كلاسيكياً ولا بطلاً سينمائياً. إنه كائن متوتر، عارٍ من الحماية الرمزية، محاصر بجسده وبنظرته وبخوفه. في رسوماته لا نرى الضعف بوصفه عيباً يجب إخفاؤه، بل بوصفه حقيقة وجودية. الجسد لا يكذب هنا؛ إنه يكشف ما تحاول ثقافة “الألفا” ستره: أننا لسنا آلات رغبة أو سلطة، بل كائنات قابلة للقلق، للفقد، للخذلان، وللرغبة في أن نُرى كما نحن لا كما يجب أن نبدو.
ومن هذه النقطة يصبح نقد أسطورة الـ Alpha Male قريباً من سؤال الاغتراب. فالرجل الذي يطارد صورة جاهزة عن القوة قد لا يقترب من ذاته، بل يبتعد عنها. يشتري علامات القوة، لكنه لا يفهم خوفه. يبني جسده، لكنه لا يصالح هشاشته. يتعلم لغة السيطرة، لكنه يفقد لغة الاعتراف. وحين تتحول الذكورة إلى أداء مستمر أمام الآخرين، يصبح الإنسان غريباً عن نفسه؛ لأنه لا يعيش تجربته، بل يمثل نسخة مقبولة اجتماعياً منها.
ليست الدعوة إذاً إلى تمجيد الضعف أو إنكار الحاجة إلى القوة، بل إلى تحرير القوة من الاستعراض. فالقوة الحقيقية لا تكمن في إخفاء الخوف، بل في القدرة على الاعتراف به، دون أن يتحول إلى سيد. ولا تكمن في السيطرة على الآخرين، بل في القدرة على عدم تحويل الآخرين إلى مرايا لقيمتنا. بين جسد رامبو المدرّع وجسد شيله المكشوف، تظهر المسافة بين خيالين: خيال يريد للإنسان أن يكون غير قابل للكسر، وخيال يراه مكسوراً أحياناً، لكنه أكثر صدقاً؛ لأنه لا ينكر هشاشته.
هكذا تكشف لنا أسطورة الـ Alpha Male عن مأزق أوسع في الثقافة الحديثة: إنها لا تبيع الرجال القوة فقط، بل تبيعهم الخوف من ألا يكونوا أقوياء بما يكفي. أما الفن، في لحظاته الأصدق، فيعيد الإنسان من الصورة إلى الجسد، ومن القناع إلى الوجه، ومن الأداء إلى الاعتراف.