كان ديفيد هوكني (1937-2026) أكثر من مجرد فنان بريطاني؛ لقد كان شاعراً يمسك بالفرشاة بدل القلم، ومستكشفاً لا يهدأ لكواليس الجمال والألوان. امتدت رحلته الإبداعية لأكثر من ستة عقود، خاض خلالها تجارب فنية متجددة، وكسر فيها كل القيود الفنية، ليصبح واحداً من أكثر الأصوات تأثيراً في الفنون المعاصرة.
وُلد هوكني في مدينة برادفورد الشمالية الباردة عام 1937، وسط دخان المصانع وضباب إنجلترا، لكن روحه الفنية كانت تتوق إلى الضوء. درس في كلية برادفورد للفنون ثم في الكلية الملكية بلندن. في ستينيات القرن الماضي، برز اسمه ضمن حركة فن البوب البريطاني، لكن طموحه لم يتوقف عند حدود التيارات السائدة؛ فقد بحث عن لغة خاصة تمتزج فيها البساطة مع العمق، وتنطلق من فن البوب نحو واقعية مشبعة بالضوء والتأمل. في عام 1964، انتقل هوكني إلى كاليفورنيا، وكان ذلك بمثابة ولادة جديدة له. فابتكر سلسلته الخالدة التي جعلت من حمام السباحة رمزاً للحلم الكاليفورني. من بين تلك اللوحات، تبرز لوحة A Bigger Splash" (1967)" التي رسم فيها لحظة ارتطام الماء في ثوانٍ معدودة، لكنه أمضى أسبوعين كاملين في التقاط تلك اللحظة العابرة. لم تكن حمامات السباحة مجرد مناظر طبيعية، بل كانت مرآة لحالة من الحرية والصفاء، وعبر فيها هوكني بجرأة عن هويته الجنسية، وتوقه إلى عالم يتسع للجميع. لم يرضَ هوكني بالبقاء في إطار الرسم فقط، بل غامر في التصوير الفوتوغرافي، فاخترع "الكولاج المجسّم" الذي يعيد تشكيل الواقع من زوايا متعددة، متأثراً بفكرة المدرسة التكعيبية والمناظر الصينية القديمة. كما صمم ديكورات الأوبرا والباليه، وأضفى على المسرح عبق ألوانه. وفي مفارقة بديعة، حين بلغ الثمانينيات من عمره، أدهش الجميع باعتماده تقنيات العصر الرقمي، فرسم على جهاز "آيباد" لوحات بديعة لغرب يوركشاير، عائداً إلى موطنه الأصلي بلغة معاصرة، ليؤكد أن الفن لا يعرف الشيخوخة.
لم تكن الألوان عند ديفيد هوكني مجرد أصباغ على لوحة، بل كانت لغةً نابضة بالحياة، ونبضاً يملأ فراغاته البيضاء. في عالمه، كان الأزرق يغني بعذوبة حمامات كاليفورنيا، والأصفر يشع كأشعة الشمس التي لا تغيب، والأخضر يرقص على تلال يوركشاير المطرية. لم يخف هوكني من جرأة اللون، بل ليجعل من السماء أكثر زرقة مما ينبغي، ومن الماء أكثر صفاءً مما يمكن تخيله. ألوانه كانت تعويذاً روحياً ضد الرمادي، واحتفالاً دائماً بأن الحياة تستحق أن تُرى بعيون مشبعة بالبهجة. حتى في أعماله الرقمية على الآيباد، ظل اللون على عرشه، يعطي بهجة ومعنى آخر للحياة.
لم يكن ديفيد هوكني مجرد رسامٍ يوثق العالم، بل كان عاشقاً يعيد اختراع رؤيته كل يوم. في كل مرحلة من مراحل عمره، بدا وكأنه يولد من جديد: من حمامات كاليفورنيا إلى تلال يوركشاير، ومن اللوحات الزيتية إلى شاشات الآيباد اللامعة. ظل هوكني طوال حياته طفلاً متعلقا بالضوء، ويؤمن بأن الفن ليس جواباً، بل سؤالاً يظل جميلاً؛ لأنه لا ينتهي. كانت الألوان الزاهية عند ديفيد هوكني بمثابة ضحكة مدوية في وجه الصمت، أو نشوة بصرية لا تعرف الاعتدال. لم يؤمن هوكني بالدرجات الباهتة أو النصفية؛ ففي لوحاته، كان الأحمر يقفز كاللّهب، والأزرق يصرخ كسماء كاليفورنيا في منتصف النهار، والأصفر يسطع كأنه قطعة شمس صغيرة سقطت على العشب. هذه الجرأة اللونية لم تأتِ من فراغ، بل من رغبة عميقة في الاحتفال بالحياة بكل فوضى بهجتها. في لوحة "A Bigger Splash"، يتحول لون الماء إلى أسطورة ساحرة تكاد لا تُصدق، وفي لوحات حمامات السباحة، نرى درجات من الفيروزي والأخضر المشع وكأنها مأخوذة من حلم صيفي. استعار هوكني جرأته من فن البوب، لكنه صبغها بروح شخصية جعلت من الألوان الزاهية توقيعاً فنياً لا يُخطئ. إنها ألوان تبتلع الحزن، وتجعل العين تتراقص على سطح اللوحة، وتذكّر كل من ينظر إليها بأن البهجة يمكن أن تكون أبجدية كاملة لمن يعرف كيف يقرؤها. رحل جسده في صيف 2026، لكن أمواجه الزرقاء لا تزال ترتطم ببحر الألوان الجميلة في لوحاته، التي ستظل محفورة في ذاكرة محبي الجمال إلى الأبد.
فاكس: 00962.6.4633565
صندوق بريد: 940255 عمان 11194 الأردن
تواصلوا معنا على البريد الإلكتروني من هنا