يعد أدب الفتيان أحد أصعب الأجناس الأدبية كتابة، كونه يتأرجح بين كفتي الأدب بمقوماته الجمالية والفنية من جهة؛ وباعتباره موجهاً لفئة خاصة، لها متطلباتها النقدية والمفاهيمية من جهة أخرى. بمجرد أن يطرح على مسامعنا مصطلح "أدب الفتيان"، فإننا نقفز مباشرة إلى الحديث عن تلك المنطقة الحساسة، بين أدب الطفل وأدب البالغين، وعن ضرورة مراعاة اللغة والأسلوب والفكرة، في كتابة أدب الفتيان، غير أننا نتجاوز سؤالاً مهماً، لا بد أن نضعه موضع الأساس في كتاباتنا؛ هل أدب الفتيان هو ما نكتبه عنهم وعن عالمهم؛ أم أنه ما نكتبه لهم؟ إننا دائماً ما نقول إن النص في أدب الفتيان، موجه إلى فئة عمرية محددة، وهذا ما يعني أن قياس جودة النص هنا؛ لا يتعلق حقاً بكونه مرتبطاً بعالمهم، بقدر ما يجب أن يكون مرتبطاً بمدى تقبله واستقباله، من طرف هذه الفئة. وإن هذا السؤال حقيقة ليس بالبساطة التي يبدو عليها، إذ إنه يضعنا في مواجهة أزمة هوية أدبية، فبينما ينطلق أدب الفتيان أساساً، من فكرة كتابة نص موجه للفتى في عمر معين، ليكون هو المتلقي، نجد أنفسنا غالباً أمام نصوص موجهة حقيقة للكبار، الذي يرون عالم الفتيان من الخارج، ويقدمون في نصوصهم تلك رؤاهم الشخصية عن هذا العالم، وفق معاييرهم ومفاهيمهم هم. فقبل الاهتمام بتطويع الأفكار واللغة والأسلوب، لا بد للكاتب في هذا الجنس، أن يكون قادراً على قراءة واقع الفتى، وتفاعلاته مع محيطه، واضعاً في الحسبان أن العالم الذي يعيش فيه الفتى، هو نفس عالم الكبار، وما يختلف فقط هو كيفية تفاعله مع هذا العالم. أي أن ينطلق الكاتب في كتابة أدب الفتيان من الداخل لا من الخارج، فعلى عكس أدب البالغين الذي يفترض قطع العلاقة بين الكاتب والقارئ، خلال مرحلة كتابة النص، حتى لا يجد الكاتب نفسه مساقاً إلى نص مبني وفق رغبات القارئ. فإن أدب الفتيان يشترط هذا الارتباط، كونه قائماً أساساً على مدى تقبل الفتى المتلقي للنص، فمثلاً إن كتب أحدهم نصاً للفتيان، وأجازه كل كتاب ونقاد العالم، بينما لم يتقبله الفتيان؛ لأنهم لم يجدوا فيه شيئا من ذواتهم وعوالمهم، هل يمكن أن نقول فعلاً أن هذا النص جيد؟ خاصة في الوقت الذي يحاول فيه الكاتب، في كثير من الأحيان أن يكون بمثابة الحارس الموجه، أين يقع في فخ محاولة الضبط الأخلاقي للفتى، بدل أن يمنحه تجربة الاكتشاف والتمتع لوحده. أين يتحول النص من تجربة جمالية؛ إلى أداة تعليمية خالصة، هدفها صنع نموذج مثالي وفق معايير الكاتب أو المجتمع، مما يفقد أدب الفتيان جوهره الأسمى؛ في أن يكون تجربة فتية. خاصة وأن الكثير من الكتاب لا ينجحون في تحقيق الخصوصية الزمانية والمكانية لأدب الفتيان، أين تصبح نصوصهم عبارة عن سرد لطفولتهم وقصصهم هم، التي قد لا تتناسب في شيء مع واقع الجيل الحالي، وبالتالي يجد الفتى نفسه قارئاً لنص بملامح عصرية باهتة، وروح قديمة من العقود الفائتة. مما يعزز رفضه لهذا النص البعيد عنه، الذي يبدو مثل وثيقة في متحف، لا تمت بصلة لعالم اليوم، المليء بالتحديات الرقمية؛ والقلق الوجودي؛ والصراعات النفسية. ولعل ما يزيد الأزمة ثقلاً، هو أن الكثير من أدب الفتيان اليوم، يكتب ويجاز بعين ناقدة بالغة، همها الوحيد أن تفصل معايير الجودة الأدبية لنصوص البالغين؛ حتى تناسب أدب الفتيان؛ مثل اللغة والرمزية والرسالة، في حين أن هذه المعايير في حد ذاتها، قد تكون السبب الأول في نفور الفتى، الذي يختلف بناؤه السلوكي والنفسي عن بناء ناقد بالغ. مما يجعل العديد من النصوص تفوز نقدياً وأكاديمياً، بينما تخسر حقيقة أمام القارئ الفتى، الذي لا يجد فيها شيئاً يجذبه. إن الخروج من مأزق الكتابة عن الفتيان للكبار، يتطلب مشروعاً أدبياً فكرياً متكاملاً، قائما على جعل الفتى شريكاً لا مجرد متفرج، أين صار الوقت ضرورياً للاعتراف بذكاء الفتى، وتشابك عالمه الذي يحتاج إلى بناء نصوص؛ لا تبنى فقط على الفكرة واللغة والأسلوب، بل تنطلق بداية من فهم عالم الفتى، وقراءة واقعه وإدراك تفاعلاته مع محيطه. من أجل كتابة نص يتكلم لغته النفسية، ليكون مرآة يرى فيها انعكاسه. دون نسيان أن أدب الفتيان في جوهره، لم يأت لتقديم أجوبة جاهزة للفتى، بل لتعليمه كيفية طرح أسئلته الخاصة.
فاكس: 00962.6.4633565
صندوق بريد: 940255 عمان 11194 الأردن
تواصلوا معنا على البريد الإلكتروني من هنا