في مساراتِ الإبداعِ المرقونةِ في سجلاتِ التاريخ، يحظى الأديب الأرجنتيني "لويس بورخيس" بمزيد من الإطراء والمدح ليس بسبب منجزاتهِ الإبداعية الكثيرة التي تراوحت بين الرواية والشعر والقصة والنقد، وإنما لسيرتهِ الفريدة التي اعتورها داء العمى، لكنَّه رغم ذلك كان متَّقد البصيرة، واثق العزيمة، لا يرتهنُ إلا للقراءة الفاصلةِ التي تعينه على تجاوز إعاقة البصر، لقد حوَّل بورخيس كهفهُ إلى ما يشبه الروضة المعطرة بالحبر التي تكتفي بالقليل من الألوانِ في سبيل حشر عدد هائل من الثقافاتِ، ففي كتابهِ "سداسيات بابل" يرصد بورخيس عوالم العمى مصحِّحا للبصير أخطاءه الجسيمة، وهو يرصد مجازات هذا العالم، فالعمى ليس الظلام أو بالأحرى السَّواد المدلهم الذي يخفي نور البصر، مقوِّضًا بذلك عبارة شكسبير: محدّقًا في الظلمةِ التي يُبصرها الأعمى.
فالأحمر والأسود هما اللَّونانِ اللذان يرفضان التكشُّف له وإن أعيا مخيلته، ذلك أن كهف العمى ضبابٌ مصفرٌ غامض، مزرورقٌ مع بعض اللونين الأزرق والأخضر، وصفرة غامضة تومض بين الفينةِ والفينة.
وينفي بورخيس عن نفسهِ الممثل المسرحي الذي قمعه العمى فجأة، فأضحى كفيفًا يُعايش تراجيدية بائسة، وإنما عوَّد نفسه على التجاوبِ مع المصيبة ذلك أن العمى قد شرع شيئًا فشيئًا في الزحف على نور عينيهِ كليلٍ يهبط ببطء، دون أن يغتالهُ مباشرة، ودام هذا الهبوط طيلة ثلاثة أرباع قرن، لتكون الفاجعة في عام 1955، ويتلاشى البصر نهائياً.
تحت وطأةِ العمى يُساق إلى بورخيس هدية لم يتوقعها من قبل، لقد عُيِّنَ مديرًا للمكتبة الوطنيَّة ومسؤولًا عن تسعمائة ألف كاتبٍ، هذا الصرح العلمي الضخم انمحل فيه بورخيس بكيانهِ المطلق ليتراءى له الفردوس ولكأنَّه عصير كتب، وليست حدائق وجنان كما يظنُّها العامة، وتولَّد عن هذهِ الاستعارة مفارقة حادة فالله قد منح لبورخيس الكتب والعمى، الكتب كمعادل موضوعي للسخاء، النعمة، الفردوس الخالد الذي يضمنُ النشوة المتصاعدة للعقل في مقابل العمى الذي مؤداه الحرمان، مجاورة النعيم دون الالتذاذ به، كعطار يفتقدُ حاسة الشم، ثم تصبح المفارقة لكنةً سَاخرة تموج في فلك المقدس.
ذلك أن مدير المكتبة السابق السيد غورساك كان أعمى، وقبله الأديب خوسيه ميرمول اُبتليَ بدوره بالعمى، لتغدو المعادلة ثالوثًا مقدَّسًا معدومةً من أثر الضَّوء، لكنها مبلَّلةٌ بنور البصيرة.
في خضم مأساة فقدانِ البصر يُلزم بورخيس نفسه بمغادرة عالم المرئياتِ متواصيًا بفكرة ابتكارية وهي السماع والتقاط أمهاتِ الكتب عبر ترشيد الأذن وهضم الفكرة، ومن ثمة إنتاج رؤى جديدة تتوثَّق بماكينة التّأويل والتّخييل، أينَ فتح له العمى عالم الأدب الأنغلوساكسوني والإسكندنافي القديم حيث اضطرّ إلى الاستعانة بطلّابه لقراءة النصوص له، فانغمس في آداب لم يكن ليلتفت إليها لولا العمى،، وهنا يتحدث بمنتهى الفخر عن أسلافه الإسكندنافيين وكيف مخروا عباب البحر ليجتاحوا أوروبا كافة، عن السعادة التي تغمره وهو يسمع شذراتٍ تاريخية قلما صادفها في عالمهِ المرئي لما كان بصيرًا كتلك الجملةِ الموثقة التي تقول: بأن يوليوس قيصر كان أول روماني يكتشف إنكلترا.
لم تكن تلك الجملة محض غنيمة ثقافيَّة إنها تجسِّد التصاهر الثقافي، الإشباع اللِّساني المتولد عن انغمار حضارة اللاتين في وديانِ القرى الأنغلوساكونية، وعن فضيلةِ الإنصاتِ يتحدَّث بورخيس عن أثرها التعليمي الرفيع، إذ بفضلها امتلأت الذاكرة بشتاتٍ من النصوص القادمة من ثقافاتٍ عدَّة مثل قصائد الرثاء والملاحم الأنغلوسكسونية، البطولات الأيسلندية القديمة، الأدب الجرماني بمختلف مكوناتهِ السردية والإيقاعية.
خطف بورخيس بذلك فرصة الهجوم من العمى ولم يترك له مجالًا لترويعهِ، وهذا من خلال العمل على تأثيث فراغاتهِ، تحويل مشاقهِ إلى راحة فكرية، أين اكتنز ظلامه في صناعة مشهد الرباط المقدس حيث التقاط عيون الأدب العالمي، ومسايرة إيقاعاتِ الشعر ليتأتى له بالنهاية تأليف كتاب رومانسي أسماه في مديح الظلام، تدليلًا على ريادة الاستثمار في عوائق العمى.
راهن بورخيس على الاحتفاء بالتاريخ كنموذج يشجب قبح العمى، حين استند إلى رواية سيرة أدباء حفُّوا عالمهم الكفيف بخوادم إبداعية منتقاة من عوالم تعويضية برزت لتخفِّض من منسوب المعاناة، ولعلَّ أبرز من يتصدَّر الرتل الشاعر الإغريقي "هوميروس" الذي منح للشعر هبة الغناء والإيقاع فهو القيثارة التي تنتج الموسيقى الناعمة أو الناي الذي يشتبكُ بأصواتِ الطَّبيعةِ، بينما يبقى البُعد البصري أمرًا عارضا في منحى القصيدة.
أما الشاعر الإنكليزي ميلتون صاحب رائعة الفردوس المفقود، فكان احتجابهُ عن النَّظر دافعًا للتزيُّد في تأليف القصائد المطولة، علاوة على تمضية وقته في حفظ الأشعار بنفسها الطويل، فاستطالت ذاكرته على نحو كبير؛ إذ كان يحفظ ما مقداره أربعين أو خمسين بيتًا يتكون الشطر الواحد فيها من أحد عشر مقطعًا صوتيا، ثم يُسدي تلك المحفوظات إلى الضيوف كقرابين لمن وصله، والظاهر أن ميلتون قد حفَّ بقلمهِ سيرة شمشون الجبار ليشهد على حجم التطابق المأساوي بينه وبين البطل الأسطوري فالفاجعة بالنهاية هو فقدان البصر، الإذعان للظلمةِ، هكذا كتب الشَّاعر لا ندور تعبيرًا على الرزايا التي طوقت شمشون: بلا عينين عند الطاحونة مع العبيد.
بيد أن ميلتون تجانف بإرادتهِ عن محنة العمى وصيرها غنيمة ثقافية لا حقًا، فوشمَ اسمه في رخام الأدب الإنكليزي.
أما الكاتب الإيرلندي جيمس جويس، فقد أنجز جزءًا من أعمالهِ الضخمة في رحاب العمى، كرواية عوليس، صورة الفنان في شبابه، علاوة على هذا فقد كان مكبًّا على تنميق جمله وتشذيبها بلاغيًا، حتى تسيح على مروج التلقي، دون أن يرى فيها القارئ اعوجاجًا، فيتمادى في ازدرائه، أين أفضت تلك التحسينات إلى ميلاد موسيقى جديدة دبجت اللغة الإنكليزية، وفي غمرة العتمة يصر الكاتب الإيرلندي على تعديد إنجازاته التي نسفت أبراج العمى، بقولهِ: من بين جميع الأشياء التي حدثت لي يبقى العمى الأقل أهمية.
لعل هذه الأمثلة التي ضربها لويس بورخيس تقع ضمن مدار واحد وهو التنويه بأن العمى ليس عثرة فادحة تحول دون أن يتم الإنسان فرحَهُ، أو يصل إلى مسعاه، ولذلك يصرُّ الأديب الأرجنتيني على أن العمى طريقة حياة، لكن ليست بالبائسة، مستذكرًا في ذلك قصيدة الشَّاعر الإسباني "فراي لويس دي ليون":
أريدُ أن أعيش مع نفسيّ.
أريد التمتُّع بالخير الذي أُدين به إلى نفسيّ دونما شاهد.
حرَّا من الحب، من الغيرة، من الكراهية، من الأمل.
لا شك أن تلك الفضائل الموشاة بالأنا المتفائلة هي التي أقنعت لويس بورخيس بالتعافي من التذمر والثرثرة واختصار ماهيةِ العمى في جدار لا ينفك في التصدُّع حين نفعّل تلك الجملة المركزية: أريد التمتع بالخير الذي أدين به إلى نفسي، فالعمى يصبح وفق التشكيل الوجودي للجملة الشعريَّة حتمية قدرية يُتعايش معها لأنها من خير السماء، وإلا فمن ذا الذي يعيش مع نفسه، إنهم ببساطة أولئك الذين يقدرون على استكشاف أنفسهم أكثر، ووحدهم العميان من يتمتعون بهذه الخصيصة استنادًا إلى العبارة السُقراطية: من الذي يعرف نفسه أكثر من الأعمى.
وبناء على ما تم سردهُ فإن العمى هبة وليسَ مصيبة، وهي من أقوى الدلالات على تجلُّد الفنانِ وتفرُّع عزائمهِ، فالانكساراتِ والإحراجاتُ والبلايا كلها تُعطى إلينا، كالمادة الخام التي يراهن عليها الفنان لتشكيلِ صنائعه الجماليَّة، ولهذا تبدو عبارة بورخيس ماثلة في أحد تصديراتهِ الشعرية: الانكسارات، الغم، سوء الطالع هي أطعمة الأبطال العتيدين، فنحن مجبرون على استثمار تعاستنا لاستنطاق أشياء خالدة تبصم على العبقريَّة النادرة.
وفي ختام المشهد المدائحي للعمى يكرر لويس بورخيس عبارة الأديب الألماني يوهان غوته: كل قريبٍ يغدو بعيدًا.، إنَّها عبارة برؤوس دلالية متشظّية فهي لا تشير إلى غسقِ المساء فقط بل تؤكد أن الأشياء التي نحلم بها تفرُّ من بين أيدينا دون أن نتحسَّس أزمنتها، كذلك العمى الذي هبط كليلٍ بطيء لم ندر كيفَ زحف على نور البصر، وهذا لانشغالنا بالمتاح دون التفكير في مآلاتِ الغيابِ.