لطالما كان التعليم مهنة ترقى بصاحبها لدرجات السمو والتقدير باعتبارها الأساس الذي يهيئ الفرد لكل مجالات العلم أو العمل، ولكنها لم تعد كذلك في العصر الذي نعيشه، إذ يشهد التعليم في عصرنا الحالي انحطاطًا متتابعًا وملحوظًا في النتاج الفكري، وأخصُّ بذلك التعليم المدرسي الذي أصبح يرتكز على اللهاث خلف الدرجات والأرقام، ولنا أن نتساءل هنا لِمَ لمْ يعد التعليم ذا نتاج فكري، ولا يُخرِّج كفاءاتٍ مؤهلة من التعليم الجامعي؟ ولماذا يندر أن نجد أسماءً لامعة في بلادنا تخرجت من الكليات المحلية؟ ونتيجة لذلك يدور جُلُّ الخبراء والمختصون في نفس الدائرة منذ عهد ليس بالقصير يبحثون عن الأسباب الملموسة لهذا الانحطاط مغفلين أن جوهر التعليم يكون في بناء الفكر، فكيف تريد من معلم لم يملك فكرًا سليمًا أن ينشئ جيلاً بفكر متزن سليم، لذلك وجب التعميم على تحسين التعليم الجامعي ليكون تعليمًا يستهدف الفكر والمنطق عند الطلبة، لا أداة لتخزين المعلومات دون امتلاك مهارات تحليلها وربطها مع المخزون الثقافي والحياتي عند الطالب، فالمعلومة لا تكون مستقلة عند دخولها عقل الإنسان، بل ترتبط بغيرها في بناء متكامل ينتج أفكارًا مبتكرَة تعمل على تحسين المستوى الفكري والثقافي في البيئة المحيطة.
وفي هذا المقال أقف على بعض المشاكل التربوية والأكاديمية المؤدية لهذا الانحطاط، أحاول فيه تضمين أفكارِ معلمٍ صُدِمَ بواقع التعليم عند دخوله، ولست هنا بصدد انتقاد فئة دون أخرى، بل بتناول طرف من هذه المشكلات بنظرة حرصت كل الحرص أن أجعلها موضوعية، والله من وراء القصد.
ما بين معلمينا في الزمن الغابر… وطلابنا في الوقت الحاضر
كثيرًا ما نقف على شكاوى الكبار في هذا الوقت من نشأة هذا الجيل وتربيته، الجيل الذي نشأ على "الدلال" و "المراعاة النفسية" كما يُقال، ولطالما سمعنا مقولة "أعيدوا للمعلم عصاه" تتردد في الأفواه، وعلى منصات التواصل، أو "لم يفسد هذا الجيل إلّا أساليب التربية الحديثة" وغيرها الكثير من الكلام الفارغ الذي لا يخرج من شخصٍ ارتقى به علمه.
ولكن.. لم يقف أحدٌ قط على جوهر المشاكل التربوية وأساسها، المشكلة ليست في الدلال الزائد، أو في "التربية الحديثة" كما يقال، المشكلة أنه لم يأخذ أحدٌ الجانب التربوي باعتدال وتوسط، جُّل ما يطبق في أنظمتنا التربوية يصل حد التطرف، فتجد أحدهم ينادي بتفعيل الضرب والسلطة المتزمتة، وآخر يمحو فكرة الحدود من التربية جاعلًا كل خطأ مهما بلغت فداحته قابلًا للتسامح بذريعة فترة الطفولة/ المراهقة، ولم أرَ أحدًا يسعى للوقوف على الحد المتوسط بين الاثنين، وكما يقول المثل الشهير: "كل شيء يزيد عن حده، يقلب إلى ضده".
في الجيل السابق، كانت القناعة السائدة في ذاك الزمن أن التربية بالضرب وزرع الخوف في النفوس، وفي الجيل الحالي، لم يُطِق من نشأ على الخوف والرهبة أن يُنشأ أطفاله منشَأَه، فتحولت التربية إلى النقيض تمامًا، فتمثلت بالتفاهم والقبول الذي وصل لحد لم يعرف به الطفل أين عليه أن يتوقف، وأين الحد الذي يفصل الصواب عن الخطأ، والمقبول عن غير المقبول. لذلك وجب علينا نحن الموجهين تمييزُ الأخطاء الناتجة عن طبيعة المرحلة العمرية، وبين قلة الاحترام وتجاوز الحدود، فليس كل خطأ يقبل التجاوز؛ لذلك علينا تقويمهم وبيان حدود التصرفات الخاطئة من التصرفات الناتجة عن طبيعة الأطفال والمراهقين. النظام التربوي المتزن يقوم على عنصرين أساسيين: الترغيب والترهيب، ونجاح هذا النظام يكمن في الموازنة بينهما ومعرفة موضع استخدام كل منهما، فإن طغى أحدهما على الآخر اختل النظام وفسد الأطفال.
وفي هذا المجال أقول: على المعلم/ المربي أن يمتلك وسيلة ترهيب يقوِّم بها طلابه، وينشئهم نشأة سليمة متزنة، على أن لا تكون هذه الوسيلة تترك ندوبًا في نفس الطالب، فالعنف الجسدي ليس وحده ما يؤثر سلبًا على بناء شخصية الطالب. ونحن لا نناصر العنف والسلطة المتزمتة عند المعلم، ولكن لا نريد تقليل قدره وقص جناحيه إلى حد يصل الطالب فيه إلى أن لا يلقى رادعًا عند تماديه أخلاقيًا.
وهنا نقف على أبرز المشاكل التي تواجه القطاع التربوي المتمثلة بضعف دور المعلمين في التوجيه السليم، فالوسيلة التي تستخدم غالبًا هي النقد الجارح؛ والذي يكون سببًا رئيسيًا في ظهور خلل تربوي في نشأة الطالب وسلوكه، يكره المعلم أن يتلقى النقد بأشكاله بغض النظر عن صفة موجهه، ولكنه لا يجد إشكالًا بتوجيهه بأسوأ الطرق لطلابه، فكل سلوك ينقده المعلم على الطلاب يتصرف مثيله مع مديره، ويغضب من ردة فعله (مع أنه يفوقه سوءًا في ردة فعله مع طلابه)، ومثال ذلك مماطلة كثير من المعلمين في تسليم مهامهم، وغضبهم عند تأخير طلابهم بتسليم الواجبات البيتية، فكيف نريد للطلاب أن يعتادوا الالتزام، ونزرع فيهم المسؤولية إن لم نكن أنفسنا نتمثل ما ندعو إليه؟
وأضيف لذلك مشكلة تأثر الكثير من المعلمين بالشكليات والمظاهر الفارغة (الترند)، مما يجعل الطالب يرى الصواب والتميُّز في التصرفات الخاطئة التي تؤدي إلى التفات المعلم وانتباهه، وهذا يُنتِجُ خللًا يطمس قدرة الطالب على بناء شخصية متفردة وفكر مستقل، فكل ما يفعله يتمثل سلوكيات غيره لنيل موافقة معلمه باعتباره المرجعية القيمية عند الطالب.
امتدادًا للفكرة السابقة وجدت بعض العاملين في هذا القطاع إذا أتاه الملتزم المجتهد بحاجة أو طلب نهره وزجره؛ لأنه لا يملك وقتًا، وإذا أتاه المهمل الوقح بمشكلة، عامله بالحفاوة والتكريم بذريعة الترغيب في العلم، فهل من الضرورة أن يصل طلابنا جميعًا إلى حد الإهمال واللامبالاة، حتى يجدوا منا الحفاوة والاحترام؟! وهل تتمثل وظيفتنا باحترام وترغيب الجاهل الذي لا يريد الخروج من جهله، وتفريغ غضبنا على من اتخذ العلم سبيله بزجره أو تجاهله في أفضل الأحوال؛ لأنه الحلقة الأضعف في هذه الحكاية.
على صعيدٍ آخر، حين نمعن النظر في تصرفات طلابنا، نجدها ذاتَها تصرفاتنا في أعمارهم، لكنها تظهر بحلةٍ تناسب العصر الذي وُجدت به، وحين أضع طلابي وزملائي في المدرسة على ميزان المسؤولية والقيم، فأجد الكفتين استوتا، وفي هذا أتأكد من فكرة أننا لا نختلف كثيرًا عن الجيل الذي ننشئه، لذلك وجب علينا التوقف عن إغراقه في محاضرات الفضيلة والأخلاق، الزاعمة بأن الحال ميؤوس منه في هذا الجيل. الجوهر ذاته في الجيلين الحديث والقديم (المعلم والطالب) لكن المكانة والزمن فرضتا على القيمة والفكرة أن تخرج بشكل مختلف، فلا يختلف المعلم عن طالبه في سلوكه وقيمه، إلا أنه سبقه في الزمن.
أقف اليوم معلمةً أمام الجيل الجديد، ولكن بنظرة موضوعية لا أراه يختلف عن الجيل الذي عاصرته أثناء دراستي، أجالس بعض العاملين في القطاع، فأجد المبالغة المفرطة في النظرة الذاتية: "لم نكن هكذا من قبل… جيل سيء لم يجد التربية" وكثير من العبارات التي تشاكلها، إضافة إلى المبالغة في تضخيم الأنا بصنع وهم مشقة الماضي في عقول الطلاب، وبأن كل ما يفعلونه لا قيمة له أمام جهود من سبقهم.. وبنظري ليس بالضرورة أن يكون كل ما هو سابقاً في الزمن أصعب، لذلك وجب الكف عن الشكوى من الماضي أمام الجيل التالي. فالفرق بينهما ليس كبيرًا، لكنها عادةٌ متأصلة في كل من يصل إلى موقع المسؤولية، أن يفتخر بكل شيء وباللاشيء حتى يرسم صورة عظيمة مليئة بالتحديات المضخمة أمام من يتحمل مسؤوليتهم.
رسالة المعلم السامية: تحديات التعليم التي أقصت المعلم عن رسالته ومبادئه
ومن أبرز المشكلات التي نواجهها، بيان منفعة ما ندعو إليه من علم، ونسعى في نشره، فالعالم الذي نعيشه الآن يبحث عن المنفعة المادية والفورية، والعلم في ظل هذا التطور المتسارع للتكنولوجيا وحلولها في كثيرٍ من جوانب حياتنا، لا يحصَّلُ لغرض مادي وفوري، فالمنفعة المتحصلة منه تراكمية يدركها المتعلم مع مرور الزمن وتتابع الخبرات في الحياة، أضف إلى ذلك أنَّ جُلَّ الأسباب المادية التي كنا نتعلم لأجلها أغنتنا النهضة التكنولوجية عنها، لذلك يصبح العلم غرضًا وهدفًا بذاته لا وسيلة، غرضًا يجد فيه المرء جوهر نفسه ومتعة الحياة الحقيقية، وأنى لنا بإقناع الطلبة بهذه الفكرة؛ وقد أصبح العلم أرخص بضاعة يُسوَّق لها في عصرنا الحالي؟ وخاصة أن القيمة الحقيقية له غائبة عن بعض العاملين في القطاع لعدم إدراكهم لها أثناء فترة تعلُّمهم، فغياب هذا الإدراك من المعلمين أمام الطلبة يؤدي إلى قصور في العملية التعليمية، وفجوة بين العلم والعمل.
من التحديات التي تواجه المعلم والعملية التعليمية معًا عدم الإيمان والثقة بتقييم المعلم وحده، ويعود سبب هذه المشكلة إلى أمرين: الأول أن بعض الأساتذة يلجؤون إلى سوء استخدام سلطتهم في التقييم فلا يعطي تقييمًا موضوعيًّا بعيدًا عن التحيزات الشخصية مع الطلاب؛ وهذا ينتج عن ضعف الرقابة أو قلة مصداقيتها، والثاني افتقار فئة ليست بالقليلة من المعلمين إلى أسس التقييم الصحيح؛ ونعزي سبب ذلك إلى عدم اهتمام الجامعات ببناء هذا الأساس عند المعلمين فترة تعلمهم. لذلك يصبح المقياس المعتمد للتقييم هو الأرقام الموثقة، وكلُّ جهد مبذول في تقييم مهارات الطلاب وتنميتها مردُّه الأرقام والنسب، ولم تضع الجهات المسؤولة خطة واحدة تهدف إلى التقييم الفعلي للمهارات المبنية عند الطلبة وتنميتها، فجلُّ الجهود تتجه نحو أسطوانة واحدة، وتدور في حدود رسمتها الأنظمة مسبقًا، وأثبتت عدم كفاءتها، فالمهارة الوحيدة التي نعززها عند طلبتنا هي الحفظ وتحمل الضغط، وحتى العلوم التي تعتمد على الفهم تبقى ضمن حدود تجعلها تقترب أكثر من التلقين.
أضف إلى ما سبق أن الجهات المختصة بمراقبة العملية التعليمية لم تُعطِ المعلم ما يلزمه من أدوات المعرفة للتقييم الجيد بكافة أنواعه، فأصبحت الثقة كلها بالورق والصور. وانعدم التقييم الفوري والمباشر أو كاد ينعدم، لذلك أصبح بين المستوى الفعلي ودرجات التقييم فجوة كبيرة.
مما يزيد من هذه الفجوة "النجاح التلقائي" في المراحل الأولى للطفل حفاظًا على نفسية الطفل كما يُزعَم، ولكن على العكس، فإن ذلك يبني في نفس الطفل عدم قبول الخطأ والفشل، ويعطي الطالب درجةً وموقعًا غير مستَحَق، فالمدارس وُضعِت بهدف بناء شخصية الفرد وإرشاده في طريق حياته، لا لتريه طريقًا بلا ثغرات وسهل العبور مغايرًا عما سيسلكه في الحياة الفعلية. فإن لم تحقق المدرسة النتيجة المرجوة عند الطفل، فتقدُّمَه في المراحل الدراسية ما هو إلا حبر على ورق، ويخرج التعليم من غرضه الأساسي هنا، ليصبح حيازةً للشهادات والأرقام لا المعرفة والمهارة. فلماذا نزرع في أطفالنا منذ بداية الطريق شعور العار من الفشل والتعثر عوض مواجهته؟ ونرسِّخ عندهم أن النتيجة المكتوبة تفوق النتيجة الفعلية بالأهمية؟ فما قيمة الأرقام التي تُخبئ خلفها عقولًا فارغة؟!
امتدادًا للفكرة السابقة، فإنَّ إلغاء الرسوب ووضع نسب محددة بغض النظر عن المستوى التعليمي للطلبة، وذلك بوصفه فشلًا في العملية التعليمية، والتعامي عن اجتياز الكثيرين المراحل الدراسية دون استحقاق المعرفة الكافية لاجتيازها من أكبر التحديات التي تواجه التعليم، والذي يٌنتِج شهادات تحمل أرقامًا فارغة من القيمة الحقيقية للمعرفة والعلم. وجلُّ الجهود التي وضُعت لحل هذه المشكلة لم تجد إلا أن تضع مسؤولية أي ضعف في التعليم على المعلم وحده الذي تعزى إليه جلُّ المشاكل الناتجة عن ضعف المنهج أو الأنظمة التربوية في الوزارة دائمًا، فهو الأقل درجة في السلم الوظيفي، وكبش فداء يلصق به كل فشل في النظام التعليمي والتربوي.
لا يمكننا أن نعزو سبب جوانب الضعف السابقة إلى الميزانية التي توضع للتعليم في مجتمعاتنا، بل بكيفية توزيع هذه الميزانية لتأمين بيئة تعليمية مناسبة، فالطالب لن يتأثر برسومات الحائط التشجيعية في الساحة، ومقعده لا يصلح للجلوس.
تعقيبًا على فكرة الهوس بالدرجات أختم بالوقوف على مشكلة ذات نتائج كارثية على التحصيل العلمي والفكري عند الطلاب، زرعتها البيئة المحيطة في الطلاب التي رسخت في نفوس الطلبة أهمية الأرقام المكتوبة بغض النظر عن النتيجة العلمية المتحصلة منها، وهي التراكض وراء الغش متى توفرت الفرصة، حتى دون وجود حاجة، هذه الفكرة متجذرة في عقول أبنائنا وطلابنا بأنها الوسيلة الأسهل لنيل الدرجة المطلوبة، متجاهلين النتيجة الحقيقية التي نسعى لها خلف هذه الدرجات، فأحيانًا يُبذَل عليه جهدٌ مضاعف؛ مما يُبذَل في الدراسة وتنمية الذات، فأصبح هو الهدف لا الوسيلة، ولست هنا بصدد تبرير الغش كوسيلة وتجريمه كغاية، ولكني أوضح الخلل الذي أدى لطمس عقول أبنائنا وتفكيرهم القويم ليصبحوا يتراكضون كالقطيع وراء سرابٍ دون وجود دافعٍ إلا الوهم.
لست في كلماتي السابقة أوجه الاتهام، وأبرئ نفسي من الزلل والخطأ، ولكني أُعدها دعوة لنفسي أولًا ولغيري من العاملين في هذا القطاع في محاولة لإدراك الخطأ وتصحيحه للنهضة بعلمِنا والرقي بأبنائنا. إنَّ الضعف الذي وصلته العملية التعليمية ليس مسؤولية فردية تُلقى على عاتق طرف معين، بل هو نتاج أخطاء تجذرت في تفكير الأفراد، وكل فرد في هذا المجال يتحمل مسؤولية هذه المشاكل (العائلة والطلاب المعلمين والمسؤولين)، فأينما التفت وجدت الجهل الذي يتستر بالشهادات العلمية يطغى ويسيطر.