من المعلوم أن الهوس بالكتبِ يفضي إلى اكتسابِ القارئ مناعة ثقافية تقيه التورط ضمن جماعاتٍ محدودة الفكر والوعي، الأمر الذي يحسّسه بنشوة العزلةِ، وهو يرافق الكتاب ضمن مدارات مخملية فائقة الجودة، بيد أنّ الأديب والمحرّر الأرجنتيني ألبرتو مانغويل خالفَ النظرية بأطرها الكلاسيكيَّة، واصطنع من عالم الكتب شريكًا في تأسيس سيرة ذاتية مخضَّبة بألوان ورائحة الكتب.
فالأديب الأرجنتيني يرى في المكتبة الفضاء السَّاحري الذي ينطوي على حياة موازية تقتدر على توسيع المشاهد السردية في تدوينة السيرة، حيث الأنا تنتزع كينونتها بناء على موازاتها مع الكتاب وهو على الرفّ، وفي خضمّ هذه التفاعلية تتبدى المجازاتُ الباعثة على ترصيص أنماط الهوية، الذَّاكرة بعمارتها الشاهقة، المحاورات الصامتة نحوَ الأغلفة العتيقة التي تصهر التاريخ في مبانيها الإشاريَّة.
لعل اقتفاء النهج الاستطرادي من قبل الكاتب إنما هو تنويه على أن الكتب بحر بلا سَاحل لذا ليس من الأليق أن نعاملها وفق رواية محبكة متسلسِلة تعتمد على الزمن الخطيّ، لذلك يصبو ألبرتو مانغويل إلى ابتناء شبكة لا محدودة من التداعيات التي تنظر إلى القراءة، الكتب، المكتباتِ كآلياتٍ ودعامات تاريخية مفتوحة المصدر، تنزع إلى إحداث نقولات ثقافية ومعرفية من جزر شتى وهويات ثرَّة: غوتة، شكسبير، أفلاطون، أريسطو، دانتي، بورخيس.
وحالما تكتظ الرفوف بالكتب المتنوعة التي تنشطر إلى مذاهب وتيارات من جغرافيات وديانات متعددة يسمح ألبرت منغويل لنفسه بتجاوز فقه الأولوية في الترتيب معتمدًا على العشوائياتِ رأفة بمقام الكتاب، وتدعيما لمقولة لا تفاضل في جمهورية الكتب، فيعمد إلى تفصيل كتابهِ "ذاكرة القراءةِ" وفق عشرة استطرادات تمنح القارئ ومضات من الاكتشافات المبهرة في الأوراق الصفراء.
الاستطراد الأول: يحمل هذا الصنف مقارنة ثاقبة بين رغيبة التعدد وجنحة الوفاء، لكن إزاء الكتاب لا الأنثى، فالشاعر الإيطالي بترارك بنهجه الكلاسيكي يؤمن بأن الفرجة متعلقة بجيش من الكتب التي تُستودع في مكانٍ يجسد حميمية الذاكرة، فالكتب برأيه هي ملذَّة كبرى تبهج القلب، وما من كتابٍ يوسوس روحنَا بمفردهِ إلا وأفسَح الطَّريق أمام كتبٍ كثيرة غيره، مولدًا فينا النتيجة شوقًا إلى كتبٍ أخرى.
ولكأنه يدعو إلى تفعيلِ المقولة الرومانسية القرب مدعاة إلى احتضانِ الجميع دون تمييز، بناء على سلسلة تتَّسمُ بالانشراح النفسي والاخضرار العاطفي، بخلاف الأديب الألماني يوهان غوته فهو على النقيض من ذلك أنه لا يريد إلا قصائد هوميروس الملحمية، لأنها تشعل بداخله قناديل الروح، وتحفزه على الطيرانِ في مجالات غير مقرونة برؤية حصرية تتملك عقلهُ.
لقد أبدى غوته هذه النظرة في روايتهِ آلام فريتر، وبالضبط الرسالة رقم 13، حين يكتب فريتر البطل المحموم بداء الهيام إلى حبيبتهِ ليونورا التي ألحت عليهِ كتبًا، فيُناشِدها أن تعفيه من هذا القيد، فهو يبتغي شيئًا واحدًا يُزعزعه، وقد وجدهُ في هوميروس بالذات.
الاستطراد الثاني: في هذا المقتطف إشارة إلى فضل الحكايا الشعبية في تفسير منامات الأديب الأسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون المفزعة، خاصة لما أضحى أسير فراشهِ بسبب داء ألمَّ بهِ، إذ ربط نوبات الهلع الليلة بما كانت تروية مربيته عن ساحرة الليل، وهي من القصص الشعبية الإسكتلندية الشائعة، فساحرة الليل مخلوق خيالي في القصص الفلكلورية الأسكتلندية، كانوا يهددون بها الأطفال الذين يتملصون من النوم باكرًا؛ فتجثم على صدورهم، وتمتطيهم ككابوس وتوشك أن تخنقهم، فيخالون عند استيقاظهم خائري القوى وبأنفاس مبهورة أنّهم مشلولون.
ومن غير صلة منطقية أو علة سببية ينتقل الكاتب إلى خصيصة نقدية قلما تناهت إلى القراء، وهي أثرُ بعض المواقف الحساسة في توليد المنجزات الأدبية على غرار سرفانتيس صاحب رائعة دون كيخوته الذي يقول بأن قصةَ الفارسِ المستقبليِّ الباحثِ عن العدالةِ خطرت له حين كان موقوفًا في السجن بغيرِ وجهِ حقٍّ.
وبمزيد من الشرح المعلَّل يتحرى الكاتب لازمة الشاعر الأمريكي إدغار آلان بو إزّاء انتقاء الغراب كمعادل موضوعي للحزن دون سواه من الطيور، رغم أن سياق المشهد كان في رثاء زوجته الجميلة، أين أظهر الشاعر في مقال مستفيض أسباب هذا الاختيار موعزًا ذلك إلى الشاعرية التي تلقيها استعارة الغراب في مباني النص، فهو لم يختر شخصيةً بشريةً لتردّد الكلمة الشهيرة لن تعود أبدًا، ولم يختر ببغاءً، رغم أنه طائر ناطق، لأنه رأى أن الببغاء لا يتوافق مع الجو الشعري الكئيب للقصيدة، بينما الغراب، يؤديّ هذه المشهدية بسلاسةٍ، نعيبه الذي يومئ للغياب، سواده الذي يضفي على الصورة ثقلًا جنائزيًّا.
الاستطراد الثالث: ويمكن توصيف هذا الباب من نفائس ما دوّنه الكاتب الأرجنتيني؛ لأن مباحثه تتعلق بمصائر الكتاب وصفاتهم التي أطبق الناس على تقييدها بهم كالسوداوية، الفقر، البؤس، مشيرًا إليها أنها ليست حتميات علوقة بالكاتب، وإنما اختيارات إرادية تأتَّت بفعل ركاميات من النصوص التاريخية التي أوفت إلى تلك الاختزالية، فالبؤس هي أطروحة أرسطو الأولى التي تقول إن السوداوية هي الشذرة التي تقدح الإبداع، وهذا تصور ينبني على اتجاهين سلبي أو إيجابي بحسب ظلال العصور وتأويلات نُخبِها، ففي سياقاتٍ ماثلة في التفسير المادي عُدت السوداوية مرضًا نفسيًا أو عوارًا جسديًّا يتعلق بسوء التعاطي مع البيئة الحاضنة، وفي سياقات انفتاحية تُفسر السوداوية على أنها نموذج إلماحي على عبقرية الكاتب وقدرته على رفض المباهج التي تطرحها الجماعة كونها تتعلق بفخاخ وجودية، لأن الحياة تطرح سعادة مؤقتة لصالح أحزانٍ متوارية في قشرتها الداخلية.
أما الفقر كنقمة لا فكاك للكاتبِ من ارتداء جبَّتها فهي بدورها منتزعة من الافتراضات المغروسةِ في عالم الفلسفة الإغريقية القديمة: إذ اعتقدوا أن الفن والتجارة متعارضان؛ فليست لدى أيّ ربّةٍ من ربّات الإلهام التسع معاملاتٌ تجارية، وكانت الحوالات المالية في جبل الأولمب موكولة إلى هرمس المحتال، إله المقايضات واللُّصوص، أي أن آلهة الشعر والفن ما كانَ لها مطلقًا أن تلطخ سمعتها بالتعامل مع التجار، وبذاك لازم المبدعين جدران الفقر والحرمان.
وتأتي قصة الأديب السَّاخر برنارد شو مع صامويل غولدوين أحد أباطرة السينما لتهدم تلك المسلمة التي تؤكد بأن الكاتب يستسيغ الفقر ويجوّده، لقد حاول صامويل غولدوين مرارًا أن يشتري حقوق إحدى مسرحيات جورج برنارد شو، وبحكم سليقته التّجارية، ظل غولدوين يساوم على الثمن حتى امتنع شو، في نهاية المطاف، رادًا عليه بإجابةٍ ساخرة: المشكلة، يا سيد غولدوين، هي أن اهتمامك محصورٌ بالفن، واهتمامي محصورٌ بالمال.
وهي مقولة تحتمل مفارقة حديَّة تتعلق بقلب المعادلة التي توصي بأن الفن وليد التقشف والتزهد، إذ يصبح الفن وقتها ملاذًا للثراء وتحصيل المال.
وفي موقفٍ تالٍ يظهر الكاتب الجوانب النورانية في حياة الأديب الألماني كافكا إذا ليس كتلة من الشؤمِ كما باءت به رواية المسخ، إنه يحمل في قلبهِ الرهيف جرعة من الأمل يود إسداءها لمن أراد مجاوزة اللعنات، ففي المنتجع الألماني "موريتز"، قبل وفاته بسنة واحدة، التقى كافكا أخته إيلّي وأطفالها الصغار الثلاثة. تعثّر طفلٌ منهم وسقط أرضًا، وكان الآخرون على وشك أن يضحكوا ضحكًا مجلجلًا، عندما قال له كافكا بنبرة إعجاب، ليتدارك الطفلُ حرَجَهُ بعد الزّلة الخرقاء: كم كان أداؤك لتلك السقطة رائعًا! وكم كان نهوضك مثار إعجاب.
الاستطراد الرابع: يتحول هذا الفصل إلى نشيد مديح للمكتبة كونها موضعًا للسكينة، علاوة أنها تقوم بأدوار شتى في زمن غير محدود، إنها تمنح ذكرى صداقات لا تتطلبُ أي مقدماتٍ أو لباقة ولا ادّعاءاتٍ أو كتمانٍ للعواطف.
ناهيك عن دورها التعليمي فالكتب تعلمنا أشياء كثيرة، قبل وقتٍ طويل من دخول تلك الأشياء إلى حياتنا، لكن ذروة التماهي كما يصر الأديب الأرجنتيني هو حين تتحوَّل تلك المجلداتِ الملموسة إلى مخلوقاتٍ شديدة الشبهِ بنا، تتنفَّس وتتقاسم معنا البيت والسَّرير.
والأجمل من هذا أن تتلاحم تلك الكتب على الرفوف مشكلة متحفًا إنساني لبناته الأساسية تلك الأحرف المرقونة في صفحاتهِ من ملحمة جلجامش الفتى المغامر الذي يبحث عن عشبة الخلود، إلى مجلدات الفيدا المقدَّسة وحكايات الباهراتا الهندية، وصولا إلى كتاب الموتى المصري والأرواح، وهي تحمل ذلك الكتاب معها في رحلتها إلى العالم الآخر.
وبشيء من الحنكة الاستدلالية يصور الكاتبُ مقطعًا من روايةِ دون كيخوته الساخرة، أين يطارد الأطفال دون كيخوته وسانشو، في شوارع برشلونة، فيهرعان إلى بيتٍ كُتب على عتبتهِ "هنا تطبعُ الكتب"، ولم يكن دون كيخوته قد شاهد مطبعة في حياته، فيجد هناك إلى جانبِ أعمال وتراجم أدبية أخرى الجزء الثاني من قصة دون كيخوته، ويرى المدققين منكبين على تصحيحها.
وهنا تنمو تلك النكتة الساخرة غبني وشقائي لا يكتفي الشارع برسم أطوراه التراجيدية، بل يؤول إلى قصة ضخمة تتقاسمها الضحكات غداة قراءتها.
الاستطراد الخامس: من نشيد المديح في الاستطراد السابق إلى نشيد المراثي في هذا القسم، وهذا بسبب حرصهِ على استدعاء حادثة حرق مكتبة الإسكندريَّة، وما تلاها من أسئلة جدلية تمركزت حول البحث عن خبايا الجريمة التي أفضَت إلى تهاوي جزء عظيم من قلاع البشرية المعرفيِّ، لكن الكاتب يصرح بمنتهى العلمية بأن قصة تأسيس المكتبة تبدو صائبة المصدر، صحيحة السند، باستثناء قصة حرقها التي أدى احتدام الأقاويل واحتشادها إلى طغيان التزوير والتلفيق في محاور سردية كبرى من حكايةِ دمارهَا، وإذا ابتغينا نشأتها، فالقصة تبدأ في القرن الثالث قبل الميلاد وهو زمن تأسيسها على يد بطليموس الأول، ويُروى أنها قامت على مجموعة من كتب أرسطو التي كانت محفوظة في الميوزيون. وقد سعى البطالمة إلى جمع أكبر عدد ممكن من الكتب، حتى أصبحت تضم نحو نصف مليون لفافة مخطوطة، وكانت السفن القادمة إلى الإسكندرية تُفتَّش بحثًا عن الكتب لنسخها وإضافتها إلى المكتبة. وظلت المكتبة لقرون أكبر مستودع للمعرفة في حوض البحر المتوسط.
بينما قيل إن تدميرها كان على أيدي الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر سنة 48 ق.م، في حريق مفتعلٍ يرجح معظم الباحثين المعاصرين أنه اقتصر على مخازن الكتب القريبة من الميناء، ولم يقضِ على المكتبة بأكملها.
وأيا كان الشأن فالكاتب عودنا على التكرم بما في بطون تلك المكتباتِ، ومن سعى إلى خدمتها، وهذا ما ذكره في سياق سرده لحياة الشاعر والنقاد اليوناني كاليماخوس الذي أفنى حياته في الذبِّ عن عرين مكتبة الإسكندرية، فعلاوة على إنتاجه الغزير في ميدان التأليف والتصحيف، فقد جمع ما يربو عن مائة وعشرين من أمهات الكتب، أسهمت في توسع المكتبة، لعلَّ هذه الجهود تدفعُها القراءة الجادة، إذ كان كاليماخوس يؤمن بالقراءة تهب للكاتب ومؤلفاته خلودًا مدى الدهر.
ويذكر الكاتب الأرجنتيني فاجعة أخرى تعود للطبيب اليوناني جالينوس في القرن الثاني ميلاديًا حيث جمع مخطوطاتٍ نفيسة من علم الطب، وأعمالًا فلسفية تعود لأفلاطون وأرسطو، فهذب حواشيها وعنى بموردها العلميِّ، ثم قرّر صونها وحمايتها بوضعها بمخزن حبوب يعمُّ بالأمانِ بمقربة من ميناء أوستيا، لكن حريقًا اندلع في إحدى الليالي تحوّلت معه الحبوب، وكتب جالينوس إلى رماد.
ولئن كان رماد الحبوب ناهبًا للأمنِ الغذائي، إلّا أن تعويضه ممكنٌ نظير خصوبة الأرض وتوفر الغيث، لكن تعويض تلك الكتب يعدُّ من المستحيلاتِ ذلك لأنها نتاج مجهود طويل لعقول، وهبت نفسها لدكِّ حصون الجهل وإشاعة المعرفة.
ختامًا وبناءً على ما تمَّ تحليله من استطرادات خمسة دون العشرة مكتملة، نستيقن بأن ألبرتو مانغويل قد سنَّ أسلوبًا ديناميًّا في التأليف وهو دمج الكتاب في أتونِ الحياة ليستحيل كيانًا مستقلًا يؤدي الاحتكاك به إلى إنعاشِ ذاكرة الإنسان، في منحاها البصريّ، والتجريدي، والحسيِّ.