على رأي المثل: "ضربتين على الرأس بتوجع"، هذا هو حال السينما العربية اليوم مع غياب الأغنية الدرامية عن الشاشة، إذ شكّل غيابها خسارةً مزدوجةً للغناء والسينما معاً. فكم من أغنياتٍ وُظِّفت درامياً في مشاهد سينمائية مدروسة، أسهمت في نجاح الفيلم وجعلته علامةً في مسيرة الفن السابع. بل إن بعض هذه الأفلام صُنِّف لاحقاً ضمن أهم مئة فيلم عربي أو مصري، إلى درجة أنه لو حُذف هذا المشهد الغنائي أو ذاك، لانتقص ذلك كثيراً من قيمة العمل دون أدنى شك.
ساهمت عوامل عديدة في نجاح الأغنية الدرامية، أهمها أنها كانت من صنع ملحنين كبار أمثال بليغ حمدي وعلي إسماعيل وكمال الطويل، ونظمها شعراء أغنيات مبدعون، منهم عبد الرحمن الأبنودي وصلاح جاهين ومرسي جميل عزيز. كما أخرجها مخرجون كبار، منهم صلاح أبو سيف وحسين كمال ويوسف شاهين. ولا ننسى أيضاً كتّاباً كباراً ألّفوا هذه الأعمال، مثل نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي وثروت أباظة.
ومن أهم المحاور التي يجب التوقف عندها في هذا البحث:
- ظاهرة المطرب الممثل، والممثل المؤدّي للغناء.
- توظيف المشهد الغنائي للتعبير عن دور المرأة بوصفها رمزاً للوطن، كما في فيلم الأرض وشخصية «بهية» التي أدّتها محسنة توفيق، و«فؤادة» في فيلم شيء من الخوف التي جسّدتها شادية.
- مشاهد غنائية مؤثرة عبّرت عن النتائج التي انعكست على أذواق الناس بعد الحروب المدمرة التي عانت منها الشعوب العربية، وما نتج عنها من تراجع في الذائقة الفنية وانحدار في مستوى الغناء. ومن الأمثلة على ذلك:
- فيلم ثرثرة فوق النيل (1971)، من خلال توظيف أغنية "الطشت قال لي" للمطربة عايدة الشاعر في أحد المشاهد، تعبيراً عن هذا الانحدار الغنائي الذي خلّفته الهزيمة.
- فيلم العاصفة (2001)، وأغنية "عدّى النهار" لعبد الحليم حافظ، التي رافقت مشهداً تعبيرياً عن اقتتال الأخوين في حرب الخليج الثانية.
ويتعذر التطرق إلى مشاهد غنائية من بلدان المغرب العربي، نظراً لأن الإعلام في تلك البلدان، وعلى مدى عقود، لم يبادر إلى الترويج عربياً لأعمالها، باستثناء المشاركات المحدودة في المهرجانات السينمائية التي كانت تُعقد في بلدان المشرق العربي على فترات متباعدة، إضافة إلى مشاركة بعض مطربي هذه البلدان في أفلام مصرية أو لبنانية. وكانت هذه المشاركات الغنائية، في معظمها، ضمن أفلام هدفها التسويق التجاري لا أكثر. وينطبق الأمر ذاته، إلى حد كبير، على العراق والسودان.
أما بالنسبة للسينما السورية، فنتوقف عند فيلمين مهمين عرضتهما اللجنة السينمائية في مؤسسة عبد الحميد شومان، واستضافت مخرجيهما، حيث جرى حوار مباشر مع الجمهور بعد العرض. وكان المشهد الغنائي في كلا الفيلمين مهماً ومؤثراً:
- فيلم أحلام المدينة (1983) للمخرج محمد ملص، ولا سيما في المشهد الأخير الذي رافقته أغنية "وحدة ما يغلبها غلاب" لمحمد قنديل.
- فيلم ما يطلبه المستمعون (2003)، حيث يأتي مشهد غنائي في نهاية الفيلم على صوت فيروز وهي تغني: "جايبلي سلام عصفور الجناين".
ولا يمكن الخوض في هذا الموضوع دون التطرق إلى مشهد النهاية في فيلم الأرض، حين كان حرس الحدود يسحلون محمد أبو سويلم (محمود المليجي) بالحبال، بينما ظل متشبثاً بالأرض التي أرادوا اقتلاعه منها. لقد كان حقاً من أجمل المشاهد في تاريخ السينما العربية، خاصةً مع اختلاط دمه بقطن الأرض المزروعة، وصوت المجموعة يردد:
"الأرض لو عطشانة... نرويها بدمانا".