تأمل الموقف التالي: طائرة تحلق في السماء، يشتعل في الدرجة الاقتصادية غضب عارم وفوضى مفاجئة بين الركاب. ظاهرياً، قد يعزو البعض الأمر إلى ضيق المساحة أو تأخر الرحلة، لكن دراسة حديثة أجرها عالما النفس كاثرين ديسيل ومايكل نورتون على ملايين الرحلات الجوية كشفت عن سبب حقيقي وخفي، وهو انعدام المساواة المكانية. أظهرت الدراسة أن احتمالات حدوث حالات الغضب العارم في الطائرات تزداد بمعدل أربع مرات في الدرجة الاقتصادية عندما تكون الطائرة مزودة بمقصورة للدرجة الأولى يمر من خلالها المسافرون. بل إن الشعور بالإحباط والاضطراب الناتجين عن رؤية هذا التمايز الطبقي يعادل في أثره النفسي انزعاج المسافرين من تأخر رحلتهم لمدة تصل إلى تسع ساعات ونصف!
هذه «الطائرة» ليست سوى مجسم مصغر لما يحدث يومياً داخل بيئات العمل والشركات؛ حيث يتحول الهيكل التنظيمي من أداة لتنظيم المهام إلى بيئة مشبعة بـ «انعدام المساواة المقننة»، مما يولد أرضاً خصبة للشعور بالظلم، واليأس الوظيفي، وتآكل الصحة النفسية للعاملين.
في علم النفس الاقتصادي والاجتماعي، ثمة فارق جوهري بين الفقر المادي وانعدام المساواة، فالفقر يتعلق بما يملكه الفرد تحديداً من موارد أساسية، بينما يتصل انعدام المساواة بكيفية توزيع الموارد، والمسافة التي تبعد بين من يملكون ومن لا يملكون. وداخل بيئات العمل، لا يقيم الموظفون أنفسهم بناءً على أجورهم جتى ولو كانت مرتفعة نسبياً أو مسمياتهم الوظيفية فقط، بل استناداً إلى «المقارنة الاجتماعية». يوضح المفكر برتراند راسل هذه الديناميكية بقوله: "لا يحسد المتسولون الأغنياء، لكنهم بالطبع سيحسدون متسولين آخرين لكونهم أكثر نجاحاً منهم". عندما يرى الموظف زميلاً يترقى لا لكفاءته، بل بسبب علاقاته الشخصية أو انحيازات المدراء العاطفية والمصلحية، يدرك أن القيمة الحقيقية للعمل أصبحت متغيرة ولا تخضع لمعايير عادلة. إن التقييم الذاتي للمكانة الوظيفية يتأثر سلبياً بهذه المقارنات الحادة، فحين يتضاءل موقع الفرد على «سلم المكانة» داخل المؤسسة، تجعله هذه التفرقة ينظر للواقع بمرارة تشوه إدراكه ونظرته لمستقبله المهني.
وحين تتحكم المحسوبية والمصالح الشخصية في توزيع المراتب العليا، وتصبح الطرق الملتوية هي المسار الأسرع للوصول، تتبدل المفاهيم ويبرز ما يُعرف في علم النفس بـ «خطأ الإسناد الأساسي». حيث يميل المدراء والمنظومة بكاملها إلى عزو النجاح أو الفشل لشخصنة الأمور؛ فيُوصم الموظف المُهمش بأنه "غير طموح" أو "ضعيف الكفاءة"، وتُمنح الترقية للمُقربين تحت ذريعة "الذكاء والموهبة"، متجاهلين حجم الدعم والفرص والاستثناءات التي وُفرت لهم دون غيرهم. إن تفضيل العلاقات على الاستحقاق يتسبب في شق بيئة العمل إلى تكتلات ومعسكرات تتآكل فيها الثقة التنظيمية، فتتحول المؤسسة من مساحة للإنتاج إلى مضمار لتزلف القيادات والتأثير على عواطفهم الشخصية.
إن للشعور المستمر بالظلم وانعدام المساواة في المكاتب كلفة صحية ونفسية باهظة، لا تقتصر على الإحباط الفكري فحسب، بل تمتد لتغير سلوكيات الأفراد واستجاباتهم البيولوجية. تظهر الدراسات النفسية أن الشعور بالتدني والاغتراب الوظيفي يترجم في العقل الباطن كحالة من "عدم الأمان"؛ مما يدفع الأفراد نحو قصر النظر السلوكي؛ فيتخلون عن التخطيط طويل المدى، ويكونون أكثر استعداداً للمخاطرة والتضحية بمستقبل آمن مقابل مكاسب لحظية أو تصرفات انفعالية، تماماً كما أظهرت التجارب النفسية أن إشعار المشاركين بالفقر أو الغبن زاد من نسبة إقبالهم على المقامرة والمخاطرة من 60% إلى 88%.
ولعل هذه الاستجابة تشبه إلى حد بعيد ما كشفته تجربة الباحثة سارة بروسنان على قردة الكابوتشين؛ فعندما كان القرد يتبادل الحصى بقطعة خيار كان يرضى بالصفقة، لكنه حين رأى قرداً آخر يُعطى عنباً (وهو الطعام المُفضل لهم) مقابل نفس الحصاة، رفض القرد المغبون أكل الخيار وقذفه في وجه الباحثة! في بيئات العمل، يتصرف الموظف بالطريقة ذاتها حين يستشعر الغبن، يقل عطاؤه، يمتنع عن المبادرة، أو يلجأ إلى ما يُعرف بـ «الاستقالة الصامتة»، إدراكاً منه أن بذل الجهد للحصول على تقييم غير عادل أمر يفقد معناه. ومع مرور الوقت، يتحول هذا التهميش المستمر إلى إجهاد نفسي مزمن، يرفعه على سلم القلق والاكتئاب والمشكلات الصحية كارتفاع التوتر وأمراض القلب.
عند تحليل هذا الإحباط الوظيفي الناجم عن المحسوبية، ينقسم التفكير غالباً بين الاتجاه الذي يركز على «الفرد» ويرى أن العصامي قادر على النجاح مهما كان النظام فاسداً، والاتجاه الذي يركز على «النظام» ويدرك أن البيئة المنحازة تُنتج تلقائياً أجيالاً من المحبطين. لكن بالعودة إلى نظرية الفيلسوف جون رولز، نجد أنه لو سُئل الناس عن شكل البيئة أو المجتمع الذي يرغبون بالعيش فيه دون أن يعلموا أين سيكون موقعهم فيه، فإن الأغلبية الساحقة تختار النموذج القائم على المساواة والعدالة، لضمان أن أسوأ النتائج الممكنة ستكون قابلة للتحمل.
في النهاية، ليس انعدام المساواة في الشركات مجرد تباين طبيعي في المراتب أو الأجور، بل هو قوة هائلة تشكل السلوك البشري داخل المؤسسات. عندما تُبنى الترقيات والمناصب على الانحياز العاطفي والمصالح الذاتية بدلاً من الكفاءة والاستحقاق، تقتنع الكفاءات بأن السعي والمواظبة لا وزن لهما. وكما يتولد الغضب الشديد في الدرجة الاقتصادية لمجرد المرور بمقصورة الدرجة الأولى، فإن الانحيازات الإدارية تسلب الموظفين أملهم في الارتقاء المشروع، وتحول بيئة العمل من مساحة للإبداع والنمو إلى ساحة للإجهاد النفسي، وقصر النظر السلوكي، واليأس الوظيفي.