تعتبر الأمومة من أسمى وأهم المشاعر الإنسانية، فكل جميل في هذه الحياة وعظيم في آن معا تنسجه أم، فالأم لها دور في حياة أبنائها ونشأتهم وما الذي سيقدمونه لأنفسهم ولمجتمعهم، وهذه هي الأم في حياتنا.
ولأن الدراما هي جزء من واقعنا، فقد قدمت الدراما عموماً والدراما السورية على وجه الخصوص، منذ بدايتها نماذج أمومة يجدر بنا أن نتوقف عنده، إذ إن هذه النماذج قدمت الأمومة، وطرحت هموم الأم ومشاكل حياتها اليومية، وناقشت من خلالها هموم بلد كاملة، في مراحل دقيقة جداً عن طريق ما كانت تعانيه الأمهات.
وقد جسدت عدد من الفنانات السوريات الأمومة ومشاعرها الضاربة بقوة في الأعمال الدرامية بتناقضاتها ومشكلاتها، وكل ما تواجهه الأم والأمومة في المجتمعين السوري والعربي مع رصد التحولات التي لامست شخصية الأم السورية والعربية كنموذج.
فعلى سبيل المثال نرى أعمال البيئة الشامية على اختلافها بدءاً من مسلسل أيام شامية الذي عرض سنة 1992، تعكس الدور التقليدي للمرأة. أُمّاً وزوجة دون أي تحولات وتطورات، هذا إذا ما استثنينا الأجزاء الثلاثة الأخيرة من مسلسل باب الحارة التي كان في بعض شخصياتها خروجاً على هذه القوالب، ولكن دور الأم الذي يبقى في ذاكرتنا جميعا من هذه الأعمال دور أم نصّار في الخوالي، والذي قدمته الفنانة هالة شوكت، ووضعت فيه ألم الأم ولوعتها وخوفها على ابنها.
أما الأمومة في الدراما السورية في التسعينات من القرن المنصرم، فعرضت للمشاهد بأشكال وصور مختلفة تشابكت فيها الأمومة مع التحولات المجتمعية والأحداث الكبرى، فنجد أُمّاً عطوفاً أو أمّ البنات مثل الفنانة نبيلة النابلسي في الفصول الأربعة، حتى الأمومة في الكوميديا، فقد كان لها بصمة، فنجد الفنانة سامية الجزائري في مسلسل عيلة خمس نجوم مع عائلتها قدمت دور الأم بطريقة مختلفة.
ومع بداية الألفية الجديدة، قدمت الدراما السورية الأم وأدوار الأم من زاوية أخرى، ولكنها بقيت تستمد دائماً الشخصيات الأنثوية بشكل عام والأم بشكل خاص من المجتمع، ومن بين الناس، فنجد مسلسلات بقيت الأمومة فيها محفورة في الذاكرة وهي كثيرة فهناك مثلاً الفنانة سمر سامي عندما قدمت دور الأم في أكثر من عمل درامي تستحق جميعها التوقف عندها، فيمكن التوقف أولاً عند دور أم عمر في مسلسل أحلام كبيرة هي أم سورية أصيلة استطاعت بفضل صبرها ووقوفها بجانب زوجها عند تعرّضه للمحن أن تحمي بيتها وأبناءها من الكثير من عواصف الحياة، ولكن العائلة التي حافظت على تماسكها لم تستطع في النهاية الوقوف في وجه القدر في بعض المواضع ليبقى حكمه سيد الموقف، ونرى وجه الأم المُضحّية الصابرة، التي ربت ابنتها وحيدة حتى قتلها المرض في دراما أشبه بسيمفونية جمعت بين الواقعية والتراجيديا المؤلمة من خلال حياة هذه الفتاة مرام في الشمس تشرق من جديد والذي عرض للمرة الأولى سنة 2005.
وقد تطرّق مسلسل أهل الغرام بأجزائه الثلاثة إلى أنماط مختلفة من الأمومة مستمدة كلها من قصص قد نجدها بيننا.
أما الدراما الاجتماعية زمن العار، فقد قدمت الأمومة بأضعف صورها، فنجد والدة البطلة بثينة قد عاشت حياتها مُهمَلة لا يهتم فيها إلّا ابنتها بثينة، حتى قتلها زوجها أبو منذر بدم بارد مُنهياً حياتها.
أما إذا ما أردنا الحديث عن الأمومة في مرحلة الحرب السورية أي ما بعد 2011، فقد انسحبت تأثيرات الحرب والظروف التي عاشتها سوريا على الأمومة في الدراما سواء السورية الخالصة أو حتى تلك المشتركة التي تطرقت للتغيّرات الاجتماعية في هذه الفترة؛ لتضيف مفاهيم ومصطلحات جديدة، وتطرح أبعاداً مختلفة، فنرى شخصيات ذات أبعاد جديدة ومفاهيم قد يكون تم التطرق لها خاصة في الدراما الاجتماعية سابقاً، ولكنها بعد ذلك التاريخ أصبحت تحتمل زوايا جديدة في الطرح، ولعل من أهم الأمثلة على هذا الشخصية التي لعبتها الفنانة شكران مرتجى، والتي أجادتها في مسلسل مذكرات عشيقة سابقة، وشخصية حياة التي لعبتها الفنانة أمل عرفة في مسلسل اغمض عينيك، إذ أعادت الشخصيتان طرح تقاطع الأمومة وعاطفتها الفطرية مع شعور العجز الإنساني.
وتبقى الأم في الدراما بشكل عام والأمومة في الدراما السورية بشكل خاص ذات طعم مختلف يعيد تعريف كلمة أم لتستوعب وتتسع للكثير من المعاني كما يجب لها أن تكون.