يقدم فيلم «الزورق» للمخرج البورتوريكي خوليو كونتانا، حكاية قرية موشحة بالسواد تعيش على أطراف المحيط الذي دفن أحلامها منذ عشر سنوات، عندما أرسل موجة عاتية دمّرت مدرسة القرية وقتلت 46 طفلًا، كانوا آخر جيل فيها، بعد أن امتنعت النساء عن الإنجاب وارتدين السواد. ويكاد كاهن القرية أن يفقد الأمل في إعادة بعض اليقين إلى نسائها، اللواتي يسيطر عليهن الحزن وكابوس الخوف من المجهول المتربص بهن على أطراف المحيط.
في بيت واحد في القرية، خارج هذه الهيمنة، تعيش امرأة وابنها. امرأة قليلة الكلام تمردت وارتدت اللباس الوردي، هي «فيديليا»، وابنها «ليو»، الذي سيصبح لاحقًا بمثابة الأمل والمخلّص للقرية من هذا الواقع الجاثم عليها منذ عشر سنوات.
«ليو» شاب هادئ يحمل جرحًا مكتومًا بداخله منذ طفولته، حين توجهت والدته لإنقاذ أخيه «تيغو» وتركته يصارع الأمواج. وهو منذ صغره معجب بالفتاة «ثريا»، التي كبرت وتزوجت من شخص آخر، لتنشأ بينهما لاحقًا قصة حب يتحدث عنها أهل القرية همسًا.
تأتي نقطة التحول في القرية عندما يغرق كل من «ليو» وصديقه «جابرييل» في البحر، ويعودان جثتين هامدتين، ولكن بعد ثلاث ساعات من الموت يعود «ليو» إلى الحياة. ويجد كاهن القرية، الأب دوغلاس، في ذلك فرصة لمساعدته من أجل إعادة الحياة إلى القرية، من خلال إنعاش الجانب الروحي لدى أهلها وإعادتهم إلى الكنيسة التي قاطعوها.
يبدأ أهل القرية بالنظر إلى «ليو» على أنه مختلف، وأنه يحمل إشارات ودلالات خاصة، بل إن بعضهم اعتقد أنه معجزة. فالأهالي العاجزون عن تجاوز محنتهم، والمسكونون بقناعات وخرافات تمنعهم من تجديد حياتهم، بحاجة إلى معجزة تخرجهم من هذا الواقع الساكن حدَّ الموت.
يستجمع «ليو» حطام المدرسة ليصنع قاربًا وسط استغراب الجميع، ثم يرممه بعد أن أحرقه بعض الأهالي، ويجره إلى البحر في مسيرة أقرب إلى «طريق الآلام»؛ كما حمل المسيح الصليب على ظهره. وأخيرًا يصل إلى البحر، وتتقاذف الأمواج القارب، وينجو «ليو»؛ كما تتم مصالحته مع والدته بعد أن تقفز في البحر لانتشاله وإعادته إلى اليابسة. وتتحقق أيضًا المصالحة مع الحياة من خلال خروج «ليو» و«ثريا»، التي خلعت خاتم الزواج ووضعته على الكتب القديمة التي كانت حاجزًا بينها وبين زوجها السابق، الذي مات في الموجة التي خطفت أطفال القرية، لينطلق الاثنان نحو فضاءات الحياة.
الفيلم مليء بالإشارات والدلالات الدينية، لكن في إطار الدعوة إلى تحقيق التوازن بين المادي والروحاني؛ فالإنسان مزيج منهما، والحياة لا تستقيم بدونهما. فهذا القارب يبدو كسفينة نجاة، والخروج من بين الأموات يحمل معنى البعث، وتلك الوردة والبتلات الحمراء التي تقصها «ثريا» بدلًا من إصبعها تحمل دلالة الخلاص المرتبطة بالسيدة مريم البتول، وكذلك المسمار الذي اخترق قدم «ليو». وتوجد في الفيلم رموز دينية كثيرة، لكنه لا يسعى إلى الترويج للدين، بل يدعو إلى المصالحة والغفران والتأمل في عمق الحياة وجوهرها، وإعطاء مساحة للجانب الروحي الذي طغت عليه المفاهيم المادية والاستهلاكية، وتجديد الحياة من خلال العلاقات الأسرية والمجتمعية بعيدًا عن النظرة الأحادية والمواقف المحكومة بقناعات مسبقة.
ومن الطبيعي أن يستحضر الأفراد والمجتمعات مخزونهم الروحي وقناعاتهم الإيمانية وقت الأزمات، وأن يكون «ليو» بمثابة الأمل الذي ساعد الأب دوغلاس على إعادة أهل القرية إلى الحياة، واستئناف العيش بشروطها.
ويختم المخرج الفيلم بمونولوغ يلقيه الأب، يخاطب فيه حبة المطر بأنها عائدة إلى المحيط، ولن تكون وحيدة.
تميز الفيلم بقوة السيناريو، الذي سار بحذر وذكاء بين ما هو روحاني وواقعي، وببراعة مخرج أمسك بعناصر الفيلم كافة، من أداء الممثلين إلى الاهتمام بتفاصيل المكان والأزياء والألوان والإكسسوارات، التي عكست واقع المكان والشخصيات، وعبّرت عن دواخلها ونمط العيش الذي عاشته طوال عقد من الزمن.