تمضي بنا الحياة سريعة كقطار يابانيّ يسابق الزمن؛ فنسير في متاهات الحياة والدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية في مجتمع متشابك. بينما نغوص في ركض محموم لا يتوقف، هل نُدرك حقًا دورنا؟ أيُدرك أحدنا دوره في حياته؟ أتراه البطل في القصة أم له مجرد دور ثانوي؟ أيُدرك حقًا إلى أين تتجه القصة؟ ليس القصد هنا الطموحات الواضحة والأحلام التي نسعى لتحقيقها، بل معرفة مسار هذه النفس في متاهات الحياة.
لاحظتُ مؤخرًا أن الجميع حولي يُتقن أو لنقل يحاول بشدة أن يتقن دوره في حياة الآخرين؛ أب جيد لذلك الطفل أو أم حنونة، ابن أو ابنة صالحة لذلك الأب أو الأم، زوج طيب أو زوجة صالحة، صديق حقيقي لذلك الصديق. كل تلك أدوار عظيمة لها أهميتها في بناء قيمة ما للإنسان، ولا نحاول إلغاءها، لكن أيُدرك المرء ما دوره هو في حياته، أيّ بعيدًا عن هذه الأدوار العظيمة التي يملأها في حياة الآخرين، أيعلم ماذا يكون حين لا يتوقع منه أحد شيئاً؟
يتبادر إلى الذهن هنا سؤال هام؛ لماذا يحتاج المرء إلى إدراك دوره على أي حال. تكمّن المشكلة أولاً بأن هذه الأدوار ليست دائمة، بل مؤقتة وإن كانت طويلة الأمد في بعض الأحوال، إلا أنها حين تنتهي ينهار عالم المرء بسهولة في الفراغ. كما أنها ثانيًا تقتلع المرء بعيدًا عن نفسه، فيضل هائمًا يتنقل بين هذه الأدوار، فيضمحل دوره في حياته، ويظل طافية على سطحها. حين يغرق الإنسان في أدوار الكومبارس في حياة الآخرين؛ تصبح حياته مكرسة لهم ولدعمهم؛ وبالتالي لا يجد وقت أن يعيش بطولته. عندها لا يتبقى للنفس إلا أن تكون "الشخصية الشريرة" في القصة حيث وحده المرء يُدرك أخطاءها وعثراتها. ليجد فجأة أنه يمضي حياته يعامل الآخرين كأبطال بما أنه كومبارس في حياتهم، ويعامل نفسه كالشرير في حياته فيُعذبها. ما يحتاجه المرء هو أن يُعامل نفسه بنفس الدفء والرعاية والتفهم الذي يُقدمه لفرد من العائلة أو لصديق ما.
إذن؛ هل ستكون بطل قصة حياتك أم ستترك هذا الدور لشخص آخر؟ هل ستعيش رحلة بطولتك كل يوم، وتُطلق العنان لقدراتك الكامنة في كل خطوة، أم ستبقى حبيس الأدوار الثانوية في حياة الآخرين فتتوه في نهاية المطاف حينما تنتهي أدوارك في حياتهم. لنحاول معًا إدراك بطولتنا في قصصنا مع هذه الخطوات البسيطة:
أولاً: حُب النفس
تبدو هذه الخطوة مكررة، لكنّها ضرورية إن أراد المرء أن يتواصل مع ذاته، فكل شيء ممكن مع حب الذات، ولا توجد هدية أعظم منه في حياة المرء. لكن يبقى السؤال كيف نفعل ذلك؟ يمكن الوصول إلى حب الذات بالتدريج والمحاولات حيث يعتمد ذلك على 4 أمور أساسية:
- السلوك الخارجي: عزز نفسك بسلوكيات ظاهرة تمنحها الحب؛ افعل أموراً تحبها واشتري أشياء تتمناها.
- السلوك الداخلي: خاطب نفسك بلطف؛ تعاطف معها وحدثها بأسلوب حنون وأشعرها بالقيمة وتقبل عيوبها وأخطائها. عليك أن تُصغي إلى حديثك مع نفسك لتتمكن من التدخل وتحسينه.
- الشعور: ضع نفسك في مقام الحبيب؛ أشعر بنفسك وأمنحها الحب، وأدفع عنها الأذى وامنحها المواساة في المصاعب، حتى تشعر بالراحة معها.
- العقلية وطريقة التفكير: ثق بنفسك وبشعورها واعتمد عليها، ولا تُشكك بها؛ تأكد أنك تستطيع الوصول إلى أي مكان بمفردك.
ثانيًا: أولوية الذات
لا بد أن تضع نفسك على قمة سلم أولوياتك لتصبح بطل قصتك؛ فلم تُخلق لتنفذ الآخرين طوال الوقت. فبدلاً من إمضاء حياتك تتنقل في حياة الآخرين من أجل امتنان لحظي، أبذل جهدك ووقتك في تعزيز نفسك التي ستصاحبك حتى النهاية وبالتالي ستصبح أقدر على مساعدة غيرك. حينها لن تنزعج من عدم الامتنان أو عدم رد الجميل، وسيتوقف العالم الخارجي عن التأثير عليك. فمثلاً؛ لا تختار الوقت والمكان المناسب للآخرين دائمًا في كل مرة، حاول أن تأخذ وقتك وطاقتك بعين الاعتبار. لا يعني ذلك ألا تتعاون بمرونة مع الأشخاص الذين تحبهم، ولكن التوازن مطلوب، دون أن تجعل مراعاة الآخرين سمت حياتك الدائم ودورك الوحيد فتستنزف طاقتك. اهتمامك بنفسك وحاجاتك لا يضر ولا يجعلك فرداني أناني.
ثالثًا: إدراك النفس بخطوات صغيرة
تتبع المشاعر السلوك، ويؤدي الفعل إلى تحقيق التقدّم. لذا، ابدأ بوضع روتين معين وخصص وقتًا لنفسك، ولو كان ذلك 10 دقائق يوميًا. ستصبح هذه الدقائق ساعة ثم أيام ثم أسابيع ثم سنوات؛ وبالتالي حياة كاملة تعيشها نفسك كبطلة، وليس شخصية ثانوية. بدايةً؛ خصص وقت معيناً للكتابة حول معنى أن تكون بطل نفسك. إليك بعض الأسئلة التي قد تساعدك:
- ماذا يعني أن أكون بطلاً نفسي؟
- كيف أبدو في أفضل حالاتي كبطل؟
- كيف أقارن هذه الشخصية بما أنا عليه الآن؟
- ما الذي سأفعله لتقليص الفجوة بين ما أنا عليه وما يمكنني أن أصبح عليه؟
رابعًا: تقبل الذات
أتذكُر ذلك البطل في الفيلم الذي تعاطفت معه، رغم كل جرائمه، أو على الأقل تفهمت الأسباب التي أوصلته لهذا الحال. مهما بدت الحياة مؤلمة مليئة بالأخطاء والمتاعب، ابدأ بتقبّل وضعك الحالي وعامل نفسك كبطل فيلم تتعاطف معه. بمجرد أن تعترف بنقاط ضعفك وأخطائك بلطف، على الأقل لنفسك، يمكنك التخطيط لتجاوزها بدلاً من البقاء غارقاً فيها؛ وبالتالي التخلص من عادة جلد الذات والانتقاد اللاذع، مما يغرقك في بحر من الخزي والشفقة على النفس.
خامسًا: الأفعال المحببة
غالبًا ما تكمن أعظم نقاط قوة المرء في قدراته الشخصية والأشياء التي يبرع فيها ويستمتع بها؛ فيمكن لها أن تُنعش الروح في الأوقات الصعبة. أبحث عن الأمور التي يمكن أن تغوص فيها تمامًا حيث يتلاشى الوقت. حدد وقتاً معيناً في أسبوعك لتقوم بما تحب سواء أكان ذلك رياضة أو قراءة أو كتابة أو مراقبة الطبيعة أو الاستماع للموسيقى أو مشاهدة برنامج أو فيلم ما. سيمنحك ذلك هدف ومعنى للسعي أو الاستمتاع في يوم آخر.
أن تكون بطل نفسك يعني أن تُظهر لنفسك حبًا حقيقيًا، وأن تكون صديقًا وفيًا لها. أن تفعل ما تتمنى فعله، وأن تشعر بالفخر بنفسك وتثق بذاتك. في نهاية الأمر، ستضل الأدوار الأخرى مهمة وستقوم بها، لكنك ستُغيّر تدريجيًا طريقة تفكيرك وبعض سلوكياتك لتمنح نفسك دوراً تستحقه بدلاً من تهميشها في قصتها.
المصادر:
https://morningupgrade.com/become-a-hero/
https://www.scientificamerican.com/article/to-lead-a-meaningful-life-become-your-own-hero/
https://www.goodtherapy.org/blog/Becoming-Your-Own-Hero