لم يعد غريباً اليوم أن تنطلق من منزلك صباحاً، فتلحظ أشخاصاً يرتدون الملابس ذاتها، ثم تصغي إلى العالم من حولك، فتسمع أغنية واحدة تتردد في كل مكان. تلتفت إلى الإعلانات المتكدسة في الشوارع، فتجدها تروج لذات النمط من أطعمة وملابس وصيحات لم تسمع بها من قبل، ولكنها سرعان ما اجتاحت حياة الجميع، وبعد حيرة طويلة وأسئلة كثيرة حول هذا التطابق العجيب الذي ينساق خلفه الناس تأتيك الإجابة ببساطة: إنه "التريند". وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال: كيف استطاع التريند أن يتسلل إلى تفاصيل حياتنا، حتى أصبحنا نكرر ما يفعله الآخرون، دون أن نتساءل إن كان يعبر عنا حقاً؟ أهو حب للانتماء، أم خوف من الاختلاف؟
الاستنساخ الرقمي، حين يحولنا "التريند" الى قوالب جاهزة
لقد بات من الصعب في هذا العصر أن تتجنب "التريند"؛ فإن شئت أم أبيت ستجد هاتفك غارقاً في "تريندات" لا تعد ولا تحصى. وما إن ينته أحدها حتى يأتي آخر؛ فمن فلتر موحّد يستخدمه الجميع في الصور، إلى وصفة منزلية لبشرة مثالية يتهافتون لتطبيقها دون تردد، وصولاً إلى عبارات ومصطلحات جديدة تنتشر بين الناس حتى تصبح جزءاً من حديثهم اليومي. وبعد ساعات أمام الشاشة ستدرك أنك شاهدت المقطع ذاته عشرات المرات، ولكن بوجوه مختلفة.
تغلق هاتفك، فتكتشف أن عدوى "التريند" لم تقتصر على العالم الرقمي، وإنما تسربت إلى الواقع أيضاً؛ فتجد أشخاصاً كثيرين يتبعون النظام الغذائي ذاته، دون أن يأخذوا بعين الاعتبار ما إذا كان يناسب احتياجاتهم الصحية والغذائية المختلفة، وآخرين يتهافتون على تجربة المكان ذاته أو متابعة العمل ذاته لمجرد أنه أصبح حديث الجميع. وهكذا، لم يعد انتشار الشيء دليلاً على جودته أو تميزه، بل أصبح أحياناً كافياً لمنحه قيمة في أعيننا. يكفي أن يكون "تريند" حتى تشعر بأن علينا مواكبته.
وهنا تظهر المفارقة جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنحنا مساحة أوسع للتعبير عن أنفسنا وإظهار اختلافاتنا، لكنها قد تدفعنا في الوقت ذاته إلى إنتاج النسخ ذاتها التي ينتجها الآخرون. فبدل أن تختار ما نراه مناسباً لنا، نجد أنفسنا محاطين بالخيارات ذاتها، نراها ونسمعها وتجربها مراراً، حتى يبدو التشابه هو القاعدة والاختلاف هو الاستثناء.
لكن إذا كان "التريند" لا يكتفي بجذب انتباهنا، بل يدفعنا أحياناً إلى اتباع ما يفعله الآخرون، فلماذا لمنحه هذه القوة أصلاً؟ ولماذا تشعر بالحاجة إلى مواكبته حتى عندما لا يكون ما يقدمه متوافقاً مع ذوقنا أو احتياجاتنا؟
لماذا نقع في فخ "التريند"؟
لا ينتشر "التريند" صدفة، وإنما هناك مجموعة دوافع نفسية واجتماعية تجعله قادراً على التأثير فينا بسهول. فنحن حين نتبع "التريند" لا نفعل ذلك حباً في الشي ذاته دائماً، بل لتؤكد للآخرين إننا منهم ونحظى بإعجابهم، ونبقى على تواصل معهم، ولنضمن أننا في قلب الحدث، وعلى دراية بما يجري حولنا. وقد يصاحب هذا التوجه الشعور بالخوف والقلق الدائم من فوات الاشياء، وهو ما يُعرف بـ "فومو FOMO"، مما قد يضعنا تحت ضغط لمواكبة كل تريند جديد، بغض النظر عن جودته.
وقد يرتبط اتباع "التريند" أيضاً بما تمنحنا إياه المنصات من شعور سريع بالمكآفاة والمتعة؛ فالمحتوى الجديد والمثير قد يجذب انتباهنا، ويحفزنا على الاستمرار في البحث عن الشيء التالي. ومن ناحية أخرى، قد يشكل اتباع التريند الخيار الأسهل عند اتخاذ القرارات؛ فبدلاً من التفكير فيما يجب ارتداؤه أو فعله، يمكن ببساطة تقليد ما يفعله الآخرون. ويزداد هذا التأثير عندما يشارك المشاهير أو المؤثرون في "التريند"، إذ قد تمنحه شهرتهم قدراً من القبول أو المصداقية، فنصبح أكثر استعداداً لاتباعه دون تردد.
حين يصبح "التريند" أخطر من مجرد موضة
قد يبدو الأمر فعلاً عابراً عندما يقتصر على تقليد مقاطع طريفة وغير مؤذية بدافع التسلية، لكن الأمر يتغير عندما يتجاوز ذلك إلى ممارسات قد تعرض أصحابها للخطر. فقد انتشرت تحديات قائمة على تناول أطعمة شديدة الخطورة، مثل One Chip Challenge وأخرى تقوم على ممارسات قد تهدد سلامة المشاركين مثل: "Blackout Challenge" توقد ارتبط بعضها بحالات وفاة. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بمدى انتشار "التريند" أو عدد المشاركين فيه، وإنما بقدرتنا على التوقف للحظة والتساؤل عن مدى أمانه وجدواه قبل الانخراط فيه.
ولعل انتشار مثل هذه التحديات يطرح سؤالاً أوسع حول دور التفكير النقدي في مواجهة ما ينتشر على المنصات، وانتقالنا من مرحلة لماذا أفعل ذلك؟ إلى الجميع يفعله، فلماذا لا أفعله؟
ختاماً، وجب التنويه إلى أن "التريند" ليس المشكلة في حد ذاته المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتشار معياراً للصواب والجودة، وعندما نتخلى عن قدرتنا على الاختيار لمجرد ّألّا نكون خارج الجماعة، لذا فنحن لسنا مطالبين برفض كل "تريند" بل بأن نستعيد حقنا في السؤال والاختيار، وأن نحافظ على بصمتنا الخاصة وهويتنا المميزة.
المراجع:
Associated Press. (2024). Teen who ate spicy tortilla chip died of high chile consumption and had a heart defect, autopsy says
Reuters. (2024). TikTok must face lawsuit over 10-year-old girl's death, US court rules