المخرج أوتار يوسيلياني هو مخرج جورجي الأصل اشتهر خلال فترة الاتحاد السوفييتي بوصفه أحد المخرجين المجددين ذوي الأسلوب المتميز. وقد حاز عام 1966 جائزة اتحاد النقاد العالمي في مهرجان كان السينمائي عن فيلمه «نوفمبر». وفي عام 1968 أخرج فيلمه الشهير «باستورالي» الذي مُنع عرضه لسنوات طويلة، ولم يُسمح بعرضه إلا للمختصين وطلاب معاهد السينما. وعُرض الفيلم لأول مرة عالميًا عام 1984 ضمن مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، حيث حقق نجاحًا باهرًا. وبعد ذلك هاجر إلى أوروبا، فراح يصنع أفلامه في فرنسا وإيطاليا ويحصد الجوائز من المهرجانات الدولية.
تشبه أفلام يوسيلياني الكوميدية، إلى حد ما، أعمال المخرج والممثل الفرنسي جاك تاتي، فهي تتسم بنظرة حادة إلى النفس البشرية وتعقيدات الحياة الحديثة، كما تتناول تقلبات الحظ التي ترفع الإنسان أو تهوي به. لذلك يشعر مشاهد فيلم «حدائق في الخريف» بحالة خاصة وهو يتابع شخصية الوزير فانسان، أو «اللابطل»، في مسار هبوطه وصعوده داخل مجتمع يبدو أن السعادة فيه تُنال بالمطاردة والصدفة.
يحكي الفيلم قصة الوزير الفرنسي فانسان الذي يُعزل فجأة من منصبه منذ بدايات الأحداث، ليفقد تباعًا جميع الامتيازات المرتبطة بوظيفته السابقة: السيارة، والمنزل، وحتى زوجته التي يتضح أنها على علاقة بعشيق متنفذ. ولا يقتصر الأمر عليه وحده، إذ يلقى عدد من الوزراء الذين يخلفونه المصير نفسه، فيما ينتهي المطاف بأحدهم مشرّدًا في الشارع.
واللافت أن الفيلم لا يحدد الوزارة التي كان فانسان مسؤولًا عنها، كما أنه يصوره موظفًا لا يؤدي عملًا حقيقيًا ذي قيمة، رغم ممارسته بعض الطقوس الرسمية، مثل قص الشريط إيذانًا بافتتاح مشروع تافه. لذلك يتقبل قرار عزله بقدر كبير من الهدوء، ويتخلى بسهولة عن مظاهر السلطة، محاولًا أن يعيش حياة عادية وسط الناس.
نتابع فانسان وهو يقضي أيامه متنقلًا بين أنشطة ومواقف يومية متعددة؛ فيقف على رأسه للمحافظة على لياقته، ويتجول في الشوارع، ويزور أصدقاءه القدامى، كما يزور والدته الثرية المتسلطة التي لا تزال تتعامل معه كطفل. ومن طرائف الفيلم أن يوسيلياني اختار الممثل الفرنسي البارع ميشيل بيكولي لأداء دور هذه الأم العجوز. كذلك نراه يمضي وقته في المقاهي مع متقاعدين كانوا من رفاق والده الفوضوي، قبل أن يعود إلى شقته القديمة ليكتشف أن مهاجرين أفارقة غير شرعيين مع عائلاتهم قد استقروا فيها.
يقدم المخرج سلسلة من المشاهد المفعمة بالمواقف الهزلية والساخرة، بل واللاذعة أحيانًا. ومن أبرزها مشهد تجمّع عدد من الأشخاص عند صانع أكفان، يبحث كل منهم عن كفن يناسبه، ما يدفعه إلى تصميم كفن واحد يصلح لجميع المقاييس. وقد يبدو هذا التصرف سخيفًا أو عبثيًا، لكنه يشكل مدخلًا لفهم رؤية الفيلم الساخرة تجاه هشاشة الحياة وتقلب المصائر البشرية.
كما يعرّفنا الفيلم إلى طيف واسع من الشخصيات التي تعكس تنوع المجتمع الفرنسي المعاصر. وكثيرًا ما يعتمد على مشاهد قليلة الحوار أو خالية منه تمامًا، مقدّمًا شخصيات تبدو خارج الزمن، لكنها في الوقت نفسه شديدة القرب من واقعنا اليومي.
ومن الصعب اختزال ما يطرحه يوسيلياني ضمن حبكة تقليدية واضحة. فقد وصف أحد النقاد الفيلم بأنه «لا يملك نسيجًا، أو أنه أشبه بنسيج ممزق». غير أن هذه السمة تحديدًا هي ما يمنحه فرادته الأسلوبية، إذ تتحرك الكاميرا ببطء شديد، متتبعة الشخصيات من خلال لقطات متوسطة ومشاهد طويلة، قبل أن تنتقل بسلاسة من شخصية إلى أخرى.
وإلى جانب إخراجه الفيلم وكتابته السيناريو، أدى يوسيلياني أيضًا أحد الأدوار الثانوية فيه.