يكمن فيلم «يا عمري – 104 تجعيده» لهادي زكّاك بمحاولة لحفظ الإنسان، وهو يتغيّر داخل الزمن. تتحول هنرييت جدته، أمام كاميرا حفيدها إلى ذاكرة حية لعائلة ومدن وهجرات وعلاقات ولغة وتاريخ شخصي يمتد إلى ما هو أبعد من الفرد. هنا تكتسب الذاكرة معنى الإرث بكونه شيئاً ينتقل عبر الكلام والصمت والصورة، وعبر ما يتركه الزمن على الجسد والوعي.
تقنيًا، تكمن إحدى أهم قوى الفيلم في الصبر الزمني. بدأ زكّاك تصوير جدته سنة 1992، واستمرت المادة المصوّرة لأكثر من عشرين عامًا حتى وفاتها عام 2013. هذا الامتداد يمنح الفيلم قيمة وثائقية نادرة، كون الماضي موجوداً أمامنا في تسجيلات متراكمة. سنة بعد الأخرى، يتغير الوجه والصوت والجسد والبيت والذاكرة. يصبح المونتاج بذلك عملية حفر في الزمن، تقارن الإنسان بنفسه في أعمار مختلفة، وتسمح لنا بمشاهدة الشيخوخة كعملية مستمرة لا كلحظة نهائية تجمع المعلومات.
وتخدم النزعة الطبيعية هذه البنية بوضوح. الكاميرا قريبة وحميمة، والفضاء المنزلي يحتفظ بعفويته. هنرييت تتكلم وتضحك وتعاند وتتذكر وتنسى، بينما تصنع التفاصيل الصغيرة شخصيتها. التجاعيد نفسها تتحول إلى سجل بصري للسنوات.
وتبرز أيضاً تقنية الضبابية والـBlur حول أطراف الصورة. تصبح الحواف والمساحات المحيطة أقل وضوحاً، بينما يظل الوجه أو مركز الكادر أكثر حضوراً. هذا الغباش يمنح المشاهد تجربة حسية لضيق المجال البصري والإدراكي مع التقدم في العمر. يبدو العالم وكأنه ينسحب تدريجياً من أطراف هنرييت، بينما يزداد حضور وجهها وعزلته داخل الصورة. وهكذا يعمل الـBlur كجزء من اللغة السردية للفيلم.
أما تغير خامة التسجيل عبر السنوات، عن غير قصد، يخلق جمالية أخرى. اختلاف الجودة والألوان ونظافة الصورة ووسيط التسجيل يجعل تطور التكنولوجيا موازياً لتطور هنرييت نفسها. نحن نشاهد الشخصية تكبر، ونشاهد في الوقت ذاته آلة الذاكرة التي تحفظها وهي تتغير. أكثر من عشرين عاماً من التصوير تجعل تاريخ الصورة جزءاً من تاريخ الإنسان.
ويضاف إلى الصورة عنصر سمعي شديد الجمال، وخصوصاً التانغو حين يُشغَّل على الأسطوانة. كان حضور الموسيقى من أكثر اللحظات إثارة، لأن الصوت يعمل هنا كوعاء آخر للذاكرة. قد تستعيد الأذن ما يتعذر على اللغة استعادته؛ نغمة مألوفة تستطيع أن تستحضر زمناً أو شخصاً محبوباً أو شعوراً قديماً قبل أن تتمكن الذاكرة الواعية من صياغته في كلمات. تشغيل الأسطوانة يحمل لذلك معنى يتجاوز الموسيقى نفسها الصوت يصبح مفتاحاً لماضٍ عاطفي، وتتحول الذاكرة السمعية إلى سعادة كما ظهر بحركات يديها مع عدم مقدرتها للرقص.
هذه العناصر تجعل المشروع استثنائياً. هنرييت شخصية غنية تاريخياً وإنسانياً، وعشرون عاماً من توثيقها سنة بعد سنة كانت ثروة سينمائية بحد ذاتها.
ومن هنا يبدأ السؤال الأخلاقي الذي أراه في بعض الخيارات الإخراجية في الجزء المتأخر من الفيلم.
بعد عرضه في مؤسسة عبد الحميد شومان يوم 15 أيلول 2026 الساعة 6:30 مساءً، سألتُ هادي زكّاك في الحوارية مباشرة عن قراره بالاستمرار في تصويرجدته بعد ظهور الزهايمر: لماذا صورتها بعد الزهايمر؟ ما كانت نيتك الأساسية؟ هل كنت تحاول الحصول منها على معلومات جديدة، أم محاولة استخراج شيء منها؛ لأن الحالة أصبحت محفزة عاطفياً؟ وكان جوابه: "كنت أجرّب ردّ فعلها".
قلت له لاحقاً، وجهاً لوجه وعلى انفراد وبقدر كبير من الانفعال، إن بعض الخيارات الإخراجية في المرحلة المتأخرة من الفيلم أثارت لدي سؤالاً أخلاقياً حاداً. وما زلت أقف خلف جوهر هذه الملاحظة، مع إدراكي أنني كان ينبغي أن أحدد لحظتها موضع الاعتراض بدقة أكبر. واعتراضي هنا لا يتعلق بتصوير هنرييت بعد إصابتها بالزهايمر بحد ذاته، بل باللحظات التي ينتقل فيها المخرج من التوثيق إلى اختبار ردود فعلها أو خلق موقف بهدف استثارة استجابة منها. المقصود هو التقنية التي تجعل استجابة هنرييت بعد تدهور ذاكرتها مادةً للتجريب.
وهنا أرى أهمية التمييز أيضاً بين تلك التقنية وبين مشاهد بكائها العفوية. فبعض دموع هنرييت أثناء معاناتها من الزهايمر جاءت كاستجابة غير إرادية تماماً. على سبيل المثال، رؤية أحد أبنائها أو بناتها، أو استعادة شخص عزيز بعد فترة بدا خلالها غائباً عن ذاكرتها، كانت قادرة على إطلاق عاطفة مباشرة. هذه اللحظات تحمل قوة مختلفة؛ لأنها تحدث من تلقاء نفسها. البكاء هنا جزء من التجربة الإنسانية للمرض، واستجابة وجدانية تسبق القرار الواعي. الكاميرا في مثل هذه اللحظة تسجل حدثاً وجدته أمامها. أما حين تصبح الغاية هي تجريباً، فإن العلاقة بين المخرج والشخص المصوَّر تتغير، وتدخل الكاميرا نفسها في صناعة الحدث.
وقرابة زكّاك من هنرييت تزيد هذه المسألة حساسية. قربه منها منحه ثقة ووصولاً استثنائيين، وفي الوقت نفسه منحه مسؤولية استثنائية. كان لديه بالفعل أكثر من عشرين سنة من المادة؛ أرشيف مذهل يسمح لنا برؤية الإنسان، وهو يعبر الزمن. ومن موقعي كمتلقٍ وناقد، أرى أن سن الثانية بعد المئة كان يمكن أن يشكل حدًا مناسبًا لإنهاء المادة المصوّرة، لا بوصفه حدًا أخلاقيًا قطعيًا كان على المخرج الالتزام به، بل بوصفه نقطة كنت سأجد عندها اكتمالًا كافيًا للمشروع، خصوصًا مع المرحلة التي أصبح فيها الزهايمر يغيّر بصورة جوهرية علاقتها بالكاميرا وبالموقف المصوَّر.
ومع ذلك، أتعامل مع الدافع الأول للمشروع باعتباره دافعاً إنسانياً وغريزياً ورقيقاً: حفيد يريد الاحتفاظ بجدته، بوجهها وصوتها وقصصها، قبل أن يأخذ الزمن ما يستطيع أخذه. وأرجو أن ملاحظتي المباشرة والحادة له لم تمسّ براءة ذلك الدافع أو حسن نيته؛ فاعتراضي موجّه إلى الحد الذي وصلت إليه بعض الوسائل، لا إلى المحبة التي أطلقت المشروع في الأصل.
يبقى الزهايمر واحداً من أقسى أشكال تدهور الذاكرة التي قد ترافق الإنسان في شيخوخته، وتسليط الكاميرا عليه يحمل أهمية حقيقية، فهو يجعلنا نرى ما يحدث للهوية واللغة والعائلة حين تبدأ الذاكرة بالانسحاب. لكن السؤال يبدأ عندما يتغير معنى حضورنا أمام هذا الإنسان: متى تتوقف الكاميرا عن توثيق معاناته، ويصبح حضورنا نفسه جزءاً من عذابه؟
ويبقى سؤال آخر أكثر وجودية: إذا كانت السينما تحاول أن تمنح الذاكرة حياة بعد زوال صاحبها، فكيف ستعيش هذه الذاكرة حين تصبح أخلاق الطريقة التي حفظناها بها جزءاً لا ينفصل عنها؟