تظل أم كلثوم، سيدة الغناء العربي، ظاهرة فنية فريدة تجاوزت حدود الزمان والمكان، لتصبح رمزاً ثقافياً وحضارياً ليس في مصر وحدها، بل في العالم العربي بأجمعه. بصوتها المميز وأدائها الأسطوري، استطاعت أن تحتل عرش الطرب العربي لأكثر من نصف قرن، وأن تخلق حالة من الإلهام والولع الجماهيري لم يشهد له مثيل في تاريخ الموسيقى الشرقية. إن الحديث عن أم كلثوم هو حديث عن مدرسة فنية متكاملة، جمعت بين أصالة الماضي وعبقريته، وبين روح العصر وتطلعاته. لم يكن صعود أم كلثوم من قرى الدلتا المصرية إلى قمة المجد الفني مجرد صدفة، بل كان نتاج إرادة صلبة وموهبة فذة صقلتها سنوات من التحدي والعمل الدؤوب. فمنذ طفولتها التي قضتها في قرية صغيرة بمحافظة الدقهلية، حيث كانت تغني في الأفراح الشعبية بصحبة والدها المؤذن، إلى أن أصبحت نجمة الإذاعة المصرية والقاهرة سفيرة الأغنية العربية، كانت رحلتها حافلة بالمحطات التاريخية. تعلمت في صغرها حفظ القرآن الكريم، مما أضفى على صوتها تلك الزخات الدينية والقدرة على التطريب والترنم، وصقلت حنجرتها على يد كبار الأساتذة، وفي مقدمتهم الشيخ أبو العلا محمد أمين المهدي.
ما يميز أم كلثوم هو صوتها الفريد الذي لا يشبه أي صوت آخر؛ فذلك الصوت الجهوري الذي يملأ الفضاء بعبق الكلمات، ويتنقل بين طبقاته بسلاسة ورشاقة، كان قادراً على إيصال أقصى درجات العاطفة والحنين والوجع والفرح. كما كان لديها حس استثنائي في تفسير الكلمات، فكانت تغني الكلمة الواحدة بعشرات الطرق، كل طريقة تفتح باباً جديداً للمعنى، وتثير في نفس السامع مشاعر مختلفة. هذا الأداء التعبيري العظيم جعل من أغانيها، مثل "الأطلال" و"أنت عمري" و"سيرة الحب" و"هذه ليلتي"، محطات خالدة في تاريخ الغناء. لم تقتصر عظمة أم كلثوم على صوتها وأدائها فحسب، بل امتدت إلى اختياراتها الفنية الذكية. فقد أحاطت نفسها بأعلام الشعراء والملحنين، مثل أحمد رامي الذي كتب لها أكثر من مائة قصيدة، ورياض السنباطي الذي لحن لها روائعها الخالدة، والموسيقار محمد عبد الوهاب الذي جدد في أسلوبها الغنائي، وبيرم التونسي الذي أضفى على كلماتها الطابع الشعبي الساخر. هذا المزيج المبارك من الكلمة العذبة واللحن العبقري والصوت الأسطوري هو الذي أنتج ذلك الكنز الفني الذي مازال يتردد عبر الأجيال.
أما حفلاتها الشهرية التي كانت تقام في أول خميس من كل شهر، فكانت حدثاً ثقافياً واجتماعياً بامتياز، حيث كانت تغني قصيدة واحدة قد تتجاوز الساعة أو الساعتين، وكان المستمعون من مختلف البلدان العربية ينتظرونها بفارغ الصبر، تارة يبكون معها، وتارة يصفقون بحرارة. لقد أسست أم كلثوم لعلاقة جديدة بين المطرب والجمهور، علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم الفني العميق، حيث كان الجمهور يشاركها الأداء بالتفاعل والإعجاب.
إن أم كلثوم ليست مجرد مطربة، بل هي قصة نجاح ملهمة، ورمز للهوية والانتماء العربي، ونموذج للتقاني والإخلاص للفن. حتى بعد رحيلها في الثالث من فبراير عام 1975، ما زال صوتها يملأ الدنيا، وما زالت أغنياتها تتردد في المنازل والمقاهي والإذاعات للآن، وما زال أبناء الأجيال الجديدة يكتشفونها ويتعلقون بها. لقد أثبتت "كوكب الشرق" أن الفن الجميل خالد لا يموت، وأن الإبداع الحقيقي يظل نابضاً بالحياة مهما تقادم الزمن. تظل أم كلثوم مدرسة خالدة في الوطن العربي، وفي الذاكرة الموسيقية العربية وتاريخ فني حافل لا يمكن نسيانه.
فاكس: 00962.6.4633565
صندوق بريد: 940255 عمان 11194 الأردن
تواصلوا معنا على البريد الإلكتروني من هنا
إشعار الخصوصية