شهدت صناعة الفيلم والتلفزيون خلال العقدين الأخيرين تحولًا بنيويًا تجاوز مجرد الانتقال من البث الخطي إلى البث عند الطلب، فقد أصبحت عملية المشاهدة نفسها مولدًا مستمرًا للبيانات، وأصبحت هذه البيانات تدخل في عمليات التوصية، والتصنيف، وتصميم واجهة العرض، وفهم الجمهور، وفي بعض البيئات الإنتاجية في تطوير النصوص واتخاذ قرارات المحتوى، ويشير Gomez-Uribe and Hunt) 2015) إلى أن نظام نتفليكس للتوصية يتكون من مجموعة من الخوارزميات التي ترتبط مباشرة بالبحث والتوصية وتحسين تفاعل الأعضاء، بما يجعل التوصية جزءًا من القيمة التجارية الأساسية للمنصة.
لكن أهمية هذا التحول لا تكمن في وجود الخوارزمية بحد ذاته، الخوارزميات كانت موجودة قبل عصر المنصات، الأهم هو انتقال الخوارزمية من موقع تقني خلفي إلى موقع يؤثر في العلاقة الثقافية بين العمل والمشاهد، فالمستخدم لا يواجه مكتبة محتوى محايدة، بل يواجه واجهة مرتبة ومصممة وفق عمليات حسابية وتنبؤية، وهو ما يجعل سؤال الاختيار أكثر تعقيدًا من مجرد سؤال: «ماذا يريد الجمهور؟».
ينطلق هذا البحث من فرضية تحليلية مفادها أن الاختيار في البيئة الرقمية لم يعد فعلًا منفردًا يقوم به طرف واحد، بل أصبح عملية موزعة بين عدة مستويات، الجمهور ينتج إشارات سلوكية، والمنصة تجمع هذه الإشارات وتفسيرها، والخوارزمية تحولها إلى توصيات وتصنيفات، والمنتج يستخدم جزءًا من هذه المعرفة في تقدير المخاطر، بينما يظل الكاتب والمخرج مسؤولين عن بناء التجربة الفنية، وبذلك فإن سلطة الاختيار لا تختفي، وإنما يعاد توزيعها.
مشكلة البحث
تنبع مشكلة البحث من التناقض الظاهري بين منطقين يحكمان صناعة المحتوى المعاصر. الأول هو منطق البيانات، الذي يعتمد على ما يمكن قياسه من سلوك الجمهور، والثاني هو منطق الإبداع، الذي يعتمد على المخاطرة والحدس واكتشاف ما لم يثبت نجاحه بعد، وإذا أصبحت قرارات الإنتاج مرتبطة بصورة متزايدة بما تقوله البيانات عن الماضي، فإن السؤال يصبح: هل يؤدي ذلك إلى تحسين قدرة الصناعة على فهم الجمهور، أم إلى تضييق مساحة التجريب التي تسمح بظهور أنواع وأشكال جديدة؟
ولا يفترض البحث مسبقًا أن الخوارزميات تؤدي إلى تقليل التنوع أو زيادته، في الأدبيات تقدم نتائج متعددة، وتشير بعض الدراسات إلى أن أنظمة التوصية يمكن أن تستخدم أيضًا لتوسيع التعرض للمحتوى إذا صممت مع مراعاة التنوع، بينما تحذر دراسات أخرى من النزوع إلى تكرار تفضيلات المستخدم السابقة، ولذلك يتعامل البحث مع المسألة بوصفها علاقة متغيرة تعتمد على تصميم النظام، وأهداف المنصة، وطبيعة المحتوى، وسلوك المستخدم.
البحث
1. كيف أعادت المنصات الرقمية توزيع سلطة اختيار المحتوى بين صانع الفيلم والجمهور والسوق والخوارزمية؟
2. كيف تؤثر أنظمة التوصية والتصنيف الخوارزمي في اكتشاف الأنواع السينمائية، وفي تشكيل الذوق؟
3. إلى أي مدى تنتقل بيانات الجمهور من مرحلة التوصية إلى مرحلة تطوير النصوص واتخاذ قرارات الإنتاج؟
4. هل تؤدي الخوارزميات بالضرورة إلى تقليل التنوع الثقافي، أم يمكن أن تكون أداة لتوسيعه؟
5. ما الحدود المعرفية للبيانات عندما يتعلق الأمر بالمخاطرة الإبداعية وإنتاج أعمال جديدة لم يسبق للجمهور اختبارها؟
6. ما الدور الذي ينبغي أن يحتفظ به الكاتب والمخرج والمنتج في منظومة صناعة محتوى تعتمد بصورة متزايدة على البيانات؟
منهجية البحث
ينتمي هذا البحث إلى البحوث النظرية التحليلية، ويعتمد منهجيًا على مراجعة أدبيات مختارة من الدراسات الأكاديمية المحكمة، والكتب الأكاديمية، والمصادر المهنية الأولية ذات الصلة، جرى التركيز على الأدبيات التي تتناول أنظمة التوصية في المنصات، والخوارزميات والثقافة، وتصنيف الأنواع، واستخدام بيانات المشاهدة في تطوير المحتوى، والتنوع الثقافي، كما استخدمت بعض المصادر الأولية الصادرة عن نتفليكس لتوثيق مؤشرات مشاهدة محددة عندما تكون هذه المؤشرات جزءًا من النقاش التحليلي.
لا يقدم البحث دراسة تجريبية أصلية سلوك مستخدمي منصة بعينها، ولا يدعي قياس أثر الخوارزميات على جميع الأسواق، وعليه، فإن الاستنتاجات المتعلقة بالعلاقة بين البيانات والإبداع هي استنتاجات تحليلية مبنية على الأدبيات المتاحة، وليست نتائج تجريبية جديدة يقدمها الباحث، ويعد هذا التمييز مهمًا لضمان الفصل بين ما أثبتته الدراسات وما يستنتجه الباحث من المقارنة والتركيب النظري.
من النموذج التقليدي إلى نموذج البيانات
في النموذج التقليدي لصناعة السينما والتلفزيون، كانت معرفة الجمهور محدودة نسبيًا وموزعة بين شباك التذاكر، ونسب المشاهدة، وأبحاث السوق، واختبارات الجمهور، وخبرة الموزعين والمنتجين، كانت هذه المعرفة مهمة، لكنها لم تكن توفر بالضرورة صورة دقيقة ومستمرة عن كل حركة يقوم بها المشاهد أثناء المشاهدة.
مع البث الرقمي، أصبحت المنصة قادرة على ربط المشاهدة بمجموعة واسعة من المؤشرات السلوكية، وتوضح دراسة Gomez-Uribe and Hunt (2015) أن نظام نتفليكس يقوم على بنية خوارزمية متعددة المكونات، وأن الشركة تستخدم التجارب المضبوطة والبيانات التاريخية لتحسين خوارزميات التوصية بما يخدم الاحتفاظ بالمستخدمين والتفاعل معهم، وهذا يعني أن التوصية ليست وظيفة ثانوية، بل جزء من نموذج الأعمال.
من منظور الباحث، يمثل هذا التحول انتقالًا من «قياس الجمهور» إلى «العمل على الجمهور»، ففي التلفزيون التقليدي كان القياس غالبًا أداة لمعرفة ما حدث بعد العرض، أما في المنصة، فإن البيانات تدخل في اللحظة التي يقرر فيها النظام ما الذي سيظهر للمستخدم، وبأي ترتيب، وبأي سياق بصري، وهنا تصبح البيانات جزءًا من عملية صناعة الاختيار، وليس مجرد سجل تاريخي للاختيار.
الخوارزمية وصناعة الذوق
تدفع دراسة Pajkovic (2022) النقاش إلى ما هو أبعد من فكرة أن نظام التوصية يعكس ذوق المستخدم فقط. فالدراسة تحلل النظام بوصفه عملية «صناعة للذوق»، وتتناول الطريقة التي تشارك بها البنية الخوارزمية في تنظيم ما يظهر للمستخدم وكيف يظهر، كما توضح دراسات أخرى أن أنظمة التوصية ليست مجرد أدوات تقنية، بل ترتبط بعمليات تصنيف وترميز ثقافي للأعمال والهويات والموضوعات (Gaw, 2023).
ويشير هذا إلى أن الخوارزمية ليست مرآة محايدة، فالمرآة تعكس ما أمامها، بينما نظام التوصية يختار ما الذي سيظهر أمام المستخدم في المقام الأول، صحيح أن هذا الاختيار يستند إلى بيانات سابقة، لكن تحويل البيانات إلى واجهة وتوصية وتصنيف يجعل النظام طرفًا في تشكيل بيئة الاختيار.
ويرى الباحث أن أهم نتيجة هنا ليست القول إن الخوارزمية «تتحكم» في الجمهور، لأن هذه صياغة أقوى مما تسمح به الأدلة، الأدق هو القول إن الخوارزمية تعيد تنظيم بيئة الاختيار، والمشاهد يظل قادرًا على البحث والرفض والتجاوز، لكن هذه الحرية تحدث داخل واجهة لا تكون محايدة بالكامل.
ويصبح هذا التأثير أكثر وضوحًا عندما ننظر إلى التصنيف الدقيق للأنواع، فقد وثق Madrigal (2014) وجود 76,897 تصنيفًا فرعيًا في بنية نتفليكس في تلك الفترة، وهو ما يكشف مدى انتقال تصنيف الفيلم من عدد محدود من الأنواع العامة إلى مجموعة شديدة الدقة من السمات والصفات، ولا ينبغي التعامل مع هذا الرقم بوصفه رقمًا ثابتًا لنظام نتفليكس الحالي، بل بوصفه مؤشرًا تاريخيًا على مستوى الدقة التصنيفية التي وصلت إليها المنصة.
من هنا يمكن القول إن «النوع السينمائي» لم يعد مجرد وصف نقدي للعمل، بل أصبح أيضًا بنية بيانات يمكن استخدامها لتوقع العلاقة بين العمل والمستخدم، وهذا التحول يفتح مجالًا مهمًا للبحث في مستقبل نظرية النوع نفسها: هل سيبقى النوع مفهومًا ثقافيًا وفنيًا فقط، أم سيصبح أيضًا وحدة حسابية تستخدمها المنصات لتوقع السلوك؟
من التوصية إلى الإنتاج: هل تدخل البيانات غرفة الكتابة؟
ينبغي التمييز بين استخدام البيانات لتوصية المستخدم بمحتوى موجود، وبين استخدام البيانات لتطوير محتوى جديد، فالأول أصبح جزءًا أساسيًا من اقتصاد المنصات، أما الثاني فما زال أكثر تعقيدًا وتنوعًا من منصة إلى أخرى.
تقدم دراسة Keilbach and Surma (2026) حول منصة Videoland الهولندية دليلًا مهمًا في هذا المجال، فقد اعتمد الباحثان على مقابلات وملاحظات ودراسة ممارسات المنصة، ووجدا أن بيانات المشاهدة تتم مشاركتها في بعض السياقات مع الكتاب والمنتجين، وأن هؤلاء يستخدمونها للتحقق من حدسهم الإبداعي وتنقيحه، وليس بوصفها بديلًا كاملًا عن الحكم الإبداعي.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة؛ لأنها تقاوم الثنائية الشائعة بين «البيانات» و«الإبداع»، فالممارسة الفعلية قد تكون هجينة: الكاتب يملك حدسًا إبداعيًا، والبيانات توفر له مؤشرات، ثم يقوم الكاتب بإعادة تفسير المؤشرات داخل عملية الكتابة، وفي دراسة أخرى حديثة، وجدت Surma and Keilbach (2026) أن Videoland تجمع بين البيانات الكمية واسعة النطاق وأساليب نوعية تقليدية مثل الاستبيانات والمقابلات واختبارات العرض لفهم ردود فعل الجمهور.
ومن وجهة نظر الباحث، هذه النتيجة تعيد الاعتبار إلى فكرة أساسية: البيانات تستطيع أن تخبرنا «ماذا حدث»، لكنها لا تجيب دائمًا عن سؤال «لماذا حدث»، قد تكشف المنصة أن عددًا كبيرًا من المشاهدين؟ توقف عن حلقة معينة، لكنها لا تستطيع من الرقم وحده أن تعرف ما إذا كان السبب ضعف السيناريو، أو طول الحلقة، أو انقطاع الإنترنت، أو ظرف المشاهد، أو مجرد انتقاله إلى موعد آخر، ولذلك تظل المعرفة النوعية ضرورية إلى جانب القياس الكمي.
والأهم من ذلك أن الكاتب قد يبدأ في استبطان منطق البيانات حتى عندما لا تطلب منه المنصة ذلك مباشرة، فإذا أصبح معيار النجاح حاضرًا في ذهنه أثناء الكتابة، فقد تبدأ البيانات في التأثير في الخيال بصورة غير مباشرة، وهذه نقطة تحليلية يقترحها الباحث بوصفها فرضية تستحق دراسات تجريبية لاحقة، وليست نتيجة مثبتة في هذا البحث.
حالة House of Cards: البيانات بوصفها بنية استثمارية
ارتبطت سلسلة House of Cards في الأدبيات والنقاشات حول نتفليكس بقدرة المنصة على استخدام البيانات ضمن قرارات الاستثمار والإنتاج، ويحلل Finn (2017) حالة المسلسل ضمن ما يسميه صعود «الجماليات الخوارزمية»، ويربطها بمشروع نتفليكس الأوسع في تصنيف المحتوى وتحليل التفضيلات وبناء قرارات استثمارية تعتمد على التجميع بين المعرفة البشرية والحسابية.
المغزى هنا ليس أن الخوارزمية كتبت House of Cards، ولا أن نجاح العمل كان نتيجة حساب رياضي مباشر، المغزى أن القرار الإنتاجي أصبح ممكنًا داخل بيئة تمتلك معلومات أكثر تفصيلًا عن الجمهور وعن تقاطع الاهتمامات، وهذا يغير طبيعة المخاطرة: لا يلغيها، لكنه يسمح بإعادة توصيفها.
ويرى الباحث أن هذه النقطة تكشف تحولًا مهمًا في وظيفة المنتج، المنتج التقليدي يقرر ما إذا كان المشروع يستحق المخاطرة استنادًا إلى الخبرة والسوق والميزانية والموهبة، المنتج في البيئة الرقمية يضيف إلى هذه الأدوات طبقة أخرى من الأدلة السلوكية، وبالتالي لا تختفي الخبرة الإنتاجية، بل تتغير مصادر المعرفة التي تعمل معها.
عندما يفشل منطق التنبؤ في تفسير الابتكار
إذا كانت البيانات مبنية إلى حد كبير على السلوك السابق، فإن أحد أسئلتها البنيوية هو: كيف يمكنها أن تساعد في إنتاج شيء لم يحدث من قبل؟ هذه ليست مشكلة تقنية بسيطة، بل مشكلة معرفية، فالنموذج التنبؤي يحتاج إلى أمثلة سابقة حتى يبني علاقاته، بينما يتطلب الابتكار أحيانًا كسر العلاقة مع السابق.
تقدم حالة Squid Game مثالًا مفيدًا على حدود التنبؤ، ففي رسالة نتفليكس إلى المساهمين للربع الثالث من عام 2021، أعلنت الشركة أن 142 مليون أسرة عضو عالمي اختارت مشاهدة المسلسل خلال الأسابيع الأربعة الأولى من إطلاقه، ووصفته بأنه أكبر مسلسل تلفزيوني لديها آنذاك (Netflix, 2021)، لا يعني هذا الرقم أن نجاح العمل كان «غير متوقع» بالمعنى العلمي المطلق، ولا يثبت أن نتفليكس لم تكن تمتلك أي مؤشرات مسبقة، لكنه يوضح الفرق بين وجود مؤشرات تساعد على اتخاذ قرار الاستثمار وبين القدرة على تحديد حجم الأثر الثقافي العالمي مسبقًا.
ومن وجهة نظر الباحث، هذه المسافة بين «التوقع» و«الاكتشاف» هي المساحة التي ينبغي أن يحافظ فيها الفن على استقلاله النسبي، فالبيانات ممتازة في تحسين القرارات عندما تكون لدينا فرضيات قابلة للاختبار، لكنها أقل قدرة على ضمان قيمة شيء لم يختبره الجمهور من قبل، ولذلك فإن صناعة لا تقبل أي مشروع إلا إذا أمكن تبرير نجاحه مسبقًا قد تصبح أكثر كفاءة تجاريًا، لكنها قد تخسر جزءًا من قدرتها على المخاطرة الثقافية والجمالية.
ولا ينبغي أن يفهم هذا الاستنتاج باعتباره دعوة إلى تجاهل البيانات، بالعكس، البيانات يمكن أن تقلل من بعض أشكال المخاطرة غير الضرورية، وتساعد على فهم الجمهور والأسواق، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى معيار وحيد لتحديد ما يستحق الوجود الفني.
الخوارزميات والتنوع الثقافي
يعد التنوع الثقافي من أكثر القضايا تعقيدًا في النقاش حول التوصية، فهناك حجة ترى أن التخصيص قد يحصر المستخدم داخل تفضيلاته السابقة، وهناك حجة مقابلة ترى أن المنصات تستطيع بفضل التخصيص أن تعرض للمستخدم أعمالًا أجنبية أو محلية ما كان ليكتشفها في نظام تقليدي محدود القنوات.
تشير الأدبيات إلى أن العلاقة ليست باتجاه واحد، فقد ناقش Helberger et al. (2018) إمكانية تصميم أنظمة توصية تشجع «تنوع التعرض» بدلًا من أن تكتفي بتعظيم التشابه مع التفضيلات السابقة، كما أظهرت دراسة Nagaraj (2023) أن تنويع التوصيات يمكن أن يعالج بعض مشكلات أنظمة التوصية القائمة على الدقة، مع ظهور تحديات أخرى تتعلق بقدرة المستخدم على اكتشاف ما يريده وسط مساحة أكبر من الخيارات.
وفي مجال نتفليكس تحديدًا، درست Khoo (2023) العلاقة بين استراتيجية التنوع والشمول وبين نظام التوصية، موضحة أن الخوارزمية يمكن أن تشارك في إتاحة المحتوى المتنوع، لكن العلاقة بين التوصية والتنوع ليست تلقائية ولا بسيطة، كما تقدم دراسات أحدث حول البنية الخوارزمية لنتفليكس قراءة تعتبر الخوارزمية جزءًا من بنية ثقافية تقوم بالتصنيف والترميز، وتشارك في تنظيم عمليات الإنتاج والاستهلاك (Gaw, 2023).
وعليه، فإن السؤال ليس «هل الخوارزمية تزيد التنوع أم تقلله؟» بصورة مجردة، بل «أي نوع من التنوع تنتجه، ولأي مستخدم، وبأي هدف، وتحت أي منطق تصميم؟»، فقد تكون لدينا زيادة في عدد الدول واللغات والأعمال المعروضة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة زيادة في تنوع التجارب التي يراها كل مستخدم فردي.
ويرى الباحث أن هذه النقطة بالذات مهمة لصناعة المحتوى العربي، فالمنصة تستطيع أن تجعل عملًا أردنيًا أو عربيًا متاحًا لجمهور أوسع بكثير من التلفزيون التقليدي، لكن النجاح في البيئة الرقمية لا ينبغي أن يدفع المنتجين إلى إنتاج نسخ متشابهة من المحتوى الذي أثبت نجاحه، والمطلوب هو استخدام البيانات لفهم فرص الوصول، لا استخدامها لإلغاء الخصوصية الثقافية.
الجمهور: متلقٍ أم شريك في عملية الإنتاج؟
أعاد عصر المنصات تعريف مفهوم الجمهور، ففي النموذج التقليدي كان الجمهور غالبًا في نهاية سلسلة الإنتاج: يشاهد ثم يقرر، من خلال الإقبال أو التقييم أو المشاهدة، ما إذا كان العمل قد نجح، أما في البيئة الرقمية، فإن سلوكه يدخل في النظام بصورة مستمرة، ويصبح جزءًا من البيانات التي يمكن أن تستخدم في تحسين التوصية، وفي فهم المحتوى.
لكن وصف الجمهور بأنه «شريك في الإنتاج» يحتاج إلى بعض الحذر، فالمشاهد لا يكتب السيناريو بالضرورة، ولا يحدد وحده ميزانية العمل، ولا يملك الوصول الكامل إلى البيانات التي تنتج عن سلوكه، لذلك فالأدق أن نقول إن الجمهور أصبح مصدرًا مستمرًا للمعلومات التي تدخل في عملية اتخاذ القرار.
وهنا يظهر الفرق بين «الجمهور الذي يختار» و«الجمهور الذي يُقاس اختياره»، المنصة لا تجمع فقط قرار المشاهدة، بل تجمع سياقًا من السلوك يمكن استخدامه لبناء توقعات، وهذا يجعل العلاقة بين الجمهور والمنصة أكثر تفاعلية، لكنه يجعل أيضًا مسألة الشفافية والخصوصية وفهم آليات التوصية أكثر أهمية.
ومن منظور الباحث، يجب ألا نخلط بين ارتفاع قدرة المنصة على قياس الجمهور وارتفاع قدرتها على فهم الإنسان، القياس أكثر دقة من السابق، لكن الإنسان أكثر تعقيدًا من القياس.
السوق ليس الجمهور
من الضروري كذلك الفصل بين الجمهور والسوق، الجمهور يبحث عن تجربة ومعنى ومتعة وفضول وهوية، بينما السوق ينظر إلى حجم الاستثمار، وإمكانات العائد، وقابلية التسويق، وتكلفة الاستحواذ على المشاهد، واستدامة الاشتراك، قد تتقاطع هذه المصالح، لكنها ليست متطابقة.
ولهذا فإن عبارة «الجمهور يريد هذا النوع» قد تكون مضللة إذا لم نحدد المقصود بكلمة «يريد»، هل يعني ذلك أن الجمهور شاهد هذا النوع أكثر؟ أم أنه يبحث عنه؟ أم أنه أكمله؟ أم أنه أوصى به لآخرين؟ أم أنه بقي مشتركًا بسبب وجوده؟ كل مؤشر يجيب عن سؤال مختلف.
وتلك نقطة أرى أنها مركزية في التعامل مع البيانات داخل صناعة الفيلم، البيانات ليست «الحقيقة» بحد ذاتها، وإنما مجموعة من المؤشرات التي تحتاج إلى تفسير، وكل مؤشر يتم إنتاجه داخل نظام اقتصادي، وتقني له أهداف محددة، لذلك ينبغي أن يسأل المنتج دائمًا: ماذا تقيس هذه البيانات فعلًا، وماذا لا تستطيع قياسه؟
نحو نموذج هجين بين الخوارزمية والإنسان
تسمح الأدبيات التي جرى تحليلها هنا باقتراح نموذج هجين لفهم صناعة المحتوى في عصر المنصات، في هذا النموذج لا تكون الخوارزمية بديلًا عن الإنسان، ولا يكون الإنسان منفصلًا عن البيانات، بل تعمل البيانات بوصفها طبقة معرفة تساعد على تفسير الجمهور والسوق، بينما يحتفظ صانع الفيلم بسلطة تفسيرية، وإبداعية لا تختزل بسهولة إلى مؤشرات كمية.
يتكون هذا النموذج من خمس حلقات مترابطة، أولًا، الرؤية الإبداعية التي تبدأ منها الفكرة، ثانيًا، الاختبار السوقي والإنتاجي الذي يحدد قابلية تنفيذها، ثالثًا، البيانات التي تساعد على فهم الجمهور والسياق، رابعًا، التفسير البشري الذي يحول البيانات إلى قرار، خامسًا، التجربة الفعلية التي تنتج بيانات جديدة بعد عرض العمل.
والمهم هنا أن البيانات لا ينبغي أن تكون نهاية السلسلة، بل جزءًا من دورة تعلم، فإذا قالت البيانات إن الجمهور لم يكمل عملًا، فالسؤال المهني ليس فقط «كيف نمنع ذلك في العمل القادم؟» بل «لماذا حدث ذلك؟»، قد يكون السبب متعلقًا بالإيقاع، أو التسويق، أو التوقعات التي صنعتها الواجهة، أو نوع الجمهور الذي وصل إليه العمل أصلًا، هذه الأسئلة تحتاج إلى قراءة بشرية للسلوك، وليس إلى الرقم وحده.
رأي الباحث: أين يجب أن تتوقف الخوارزمية؟
يرى الباحث أن النقاش الأكثر إنتاجية ليس في سؤال ما إذا كانت الخوارزمية جيدة أم سيئة، لأن هذه الصياغة تفترض أن التكنولوجيا تعمل منفصلة عن أهداف المؤسسات والمستخدمين والمصممين، السؤال الأكثر دقة هو: ما القرارات التي ينبغي أن تساعد فيها الخوارزمية، وما القرارات التي ينبغي أن تبقى مجالًا للحكم الإبداعي والإنساني؟
في رأيي، يمكن للبيانات أن تكون شديدة القيمة في تحديد حجم الجمهور المحتمل، وتحليل أنماط المشاهدة، وفهم الأسواق، واختبار الفرضيات، وتطوير التسويق والتوصية، لكن تحويلها إلى معيار نهائي للحكم على القيمة الفنية يمثل خطرًا على طبيعة الإبداع نفسه.
السبب أن الفن لا ينتج فقط استجابة لما نعرفه مسبقًا، الفن يستطيع أن يغير التوقعات، ويخلق ذوقًا جديدًا، ويعيد تفسير تجربة مألوفة، ويقدم شخصية أو موضوعًا لم يكن ضمن الطلب التجاري الواضح، وإذا أصبح شرط الإنتاج هو أن تكون الفكرة قابلة للإثبات قبل وجودها، فإننا نكون قد جعلنا الماضي شرطًا للمستقبل.
ولهذا لا أرى أن مستقبل صانع الفيلم هو منافسة الخوارزمية في معرفة الجمهور، الخوارزمية ستظل أقوى في معالجة كميات هائلة من البيانات، وظيفة صانع الفيلم مختلفة: أن يفسر الإنسان، وأن يصنع المعنى، وأن يخاطر باقتراح تجربة لم تختبر بعد، وربما يكون المخرج والكاتب في المستقبل بحاجة إلى مهارة إضافية، هي القدرة على قراءة البيانات، دون أن يصبحا تابعين لها.
هذه ليست نتيجة تجريبية يدعي البحث إثباتها، بل موقف تحليلي للباحث يستند إلى التوتر الذي تكشفه الأدبيات بين التنبؤ والمخاطرة، وبين القياس والمعنى، وبين تحسين الاختيار والمحافظة على مساحة الاكتشاف.
دلالات البحث لصناعة المحتوى في الأردن والعالم العربي
تكتسب هذه المناقشة أهمية خاصة في الأسواق العربية، حيث تعمل المنصات على توسيع نطاق توزيع المحتوى المحلي والإقليمي، ووفق Omdia (2025)، كان من المتوقع أن يتجاوز سوق البث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 1.5 مليار دولار في نهاية 2025، مع تجاوز اشتراكات خدمات الفيديو عند الطلب المدفوعة 27 مليون اشتراك، وتوضح هذه المؤشرات أن اقتصاد البث الرقمي في المنطقة أصبح سوقًا ذا وزن تجاري واضح.
بالنسبة لصانع المحتوى العربي، يعني ذلك أن الجمهور لم يعد محصورًا في حدود القناة أو الدولة. العمل الأردني يمكن أن يبحث عن جمهور عربي أوسع، والعمل العربي يمكن أن يجد جمهورًا عابرًا للحدود، لكن التوسع الجغرافي لا يعني تلقائيًا النجاح الثقافي، فالخصوصية المحلية قد تكون عنصرًا من عناصر الجذب، وليست بالضرورة عائقًا أمام الانتشار.
ويرى الباحث أن الاستراتيجية الأكثر اتزانًا تتمثل في استخدام البيانات لفهم إمكانية الوصول إلى الأسواق، وليس لتوحيد اللغة والأسلوب والشخصيات وفق نموذج واحد، فالخوارزمية تستطيع أن تساعد المنتج على اكتشاف أن هناك اهتمامًا بدراما اجتماعية أردنية مثلًا، لكنها لا ينبغي أن تكون الجهة التي تحدد وحدها كيف يجب أن تكون الدراما الأردنية.
وهذا مهم، خصوصًا في مرحلة بناء صناعات محتوى عربية أكثر قدرة على المنافسة، فالمنصات تحتاج إلى أعمال قابلة للاكتشاف، لكن الصناعة تحتاج أيضًا إلى أعمال تحمل هوية وقيمة فنية يمكن أن تتجاوز دورة النجاح القصيرة.
مناقشة
تظهر مراجعة الأدبيات أن ثلاثة تصورات شائعة تحتاج إلى إعادة النظر، التصور الأول هو أن الخوارزمية تعرف ما يريده الجمهور بدقة، الأدلة تشير إلى قدرة كبيرة على تحليل السلوك والتنبؤ، لكنها لا تجعل النظام قادرًا على الوصول إلى النوايا والمعاني الكامنة وراء كل سلوك، التصور الثاني هو أن الخوارزمية تقلل التنوع بالضرورة، الأدبيات لا تدعم تعميمًا بهذه البساطة، لأن تصميم التوصية يمكن أن يسعى إلى التنوع، ولأن بعض المنصات توفر وصولًا إلى أعمال لم تكن متاحة للمشاهد بسهولة في النظام التقليدي، التصور الثالث هو أن البيانات تحل محل الإبداع في الإنتاج، دراسة Videoland الحديثة تشير بالعكس إلى استخدام البيانات في التحقق من الحدس، وتنقيحه إلى جانب استمرار أساليب البحث النوعي.
وبالتالي، فإن أفضل تفسير للتحول الحالي هو مفهوم «إعادة توزيع السلطة»، لم يعد صانع الفيلم يعمل وحده، لكنه لم يفقد دوره، ولم يعد الجمهور مجرد متلقٍ، لكنه لم يصبح منتجًا منفردًا، ولم تعد الخوارزمية مجرد أداة تقنية، لكنها ليست مؤلفًا مستقلًا للعمل، والمنصة هي البيئة التي تجمع هذه العناصر، وتضعها داخل نموذج اقتصادي محدد.
وتقود هذه النتيجة إلى اقتراح بحثي مستقبلي مهم: بدل دراسة الخوارزمية وحدها أو الجمهور وحده، ينبغي دراسة «سلسلة القرار» كاملة، من لحظة اقتراح الفكرة إلى لحظة اكتشافها، ثم مشاهدتها، ثم تحليل بياناتها، ثم اتخاذ قرار بشأن الموسم التالي، مثل هذا المنهج يمكن أن يكشف أين تنتقل السلطة فعلًا، وأين تبقى، وأين تتغير.
حدود البحث
للبحث عدد من الحدود، أولًا، يعتمد على مراجعة أدبيات ومصادر متاحة، ولا يقدم بيانات ميدانية أصلية من منصات عربية.
ثانيًا، كثير من تفاصيل أنظمة التوصية التجارية مغلق وغير متاح بالكامل للباحثين، ما يحد من القدرة على الوصول إلى الخوارزمية نفسها.
ثالثًا، لا يمكن تعميم نتائج دراسة حالة Videoland على جميع المنصات العالمية.
رابعًا، بعض مؤشرات الشركات، مثل أرقام المشاهدة، هي بيانات تعلنها الشركات نفسها، وتحتاج إلى التعامل معها بوصفها مؤشرات مؤسسية لا قياسات مستقلة بالكامل.
وبناءً على ذلك، فإن النتائج هنا ينبغي قراءتها بوصفها تركيبًا نظريًا وتحليليًا للأدبيات، وليس بوصفها قياسًا تجريبيًا نهائيًا لصناعة المحتوى العالمية أو العربية.
الخاتمة
لا يمكن اختزال اختيار نوع الفيلم في عصر المنصات الرقمية في طرف واحد. صانع الفيلم يملك الرؤية والحدس والخبرة، والجمهور ينتج سلوكًا قابلًا للقياس، والمنصة تجمع البيانات، وتحدد بيئة الوصول، والخوارزمية تنظم التوصية والتصنيف، والسوق يحدد حدود الاستثمار والمخاطرة.
والتحول الأهم ليس أن الخوارزمية أصبحت «المخرج الجديد»، فالأدلة لا تسمح بهذا الاستنتاج، التحول هو أن الخوارزمية أصبحت جزءًا من البنية التي يتخذ داخلها البشر قراراتهم، إنها تؤثر في ما نكتشفه، وكيف نصنفه، وما الذي يصبح أكثر ظهورًا، وكيف نفهم سلوك الجمهور، وفي بعض الحالات كيف تتم مراجعة النصوص والمشروعات.
لكن هناك حدًا مهمًا لهذه السلطة، فالبيانات ممتازة في تفسير الماضي والحاضر القابل للقياس، بينما يعتمد الابتكار الفني جزئيًا على القدرة على تخيل مستقبل لم تتوفر عنه بيانات كافية بعد، ولذلك فإن السؤال الأهم ليس «هل ستستبدل الخوارزمية صانع الفيلم؟»، بل «كيف يستطيع صانع الفيلم استخدام الخوارزمية، دون أن يسمح لها بتحديد حدود الخيال؟»
يخلص الباحث إلى أن مستقبل صناعة الفيلم سيكون على الأرجح أكثر هجينية: بيانات أكثر، توصيات أكثر، قياس أكثر، لكن الحاجة إلى التفسير الإنساني والمخاطرة الإبداعية ستظل قائمة، وربما تصبح قيمة صانع الفيلم في المستقبل أقل ارتباطًا بقدرته على معرفة ما يريده الجمهور مسبقًا، وأكثر ارتباطًا بقدرته على اكتشاف ما يمكن أن يريده الجمهور مستقبلًا.
وبذلك ينتقل السؤال من «من يختار الفيلم؟» إلى سؤال أعمق: «من يملك القدرة على تعريف ما يستحق أن يُنتج، وما الذي يظل مجهولًا حتى يجرؤ أحد على إنتاجه؟»، وفي هذه المنطقة بين البيانات والحدس، وبين السوق والفن، وبين التنبؤ والمفاجأة، ستتحدد ملامح صناعة المحتوى في عصر المنصات.