هل تمنيت شيئًا ذات يوم، ثم بعد أيام فترت همتك عن تحقيقه؟ إذا كان الجواب نعم، فهذا الحديث لك. نرى جسدًا رياضيًا متميزًا فنتمنى أن نملك مثله، ونرى سيارة فارهة فنتمنى الحصول عليها، ونرى شخصًا بارعًا في لغة أو علم فنقول: «يا ليت لنا ما له». وهكذا نرى الأحلام تتجسد أمامنا، وقد نتحرك نحوها بضعة أمتار، ثم نتوقف!
هل بدأت كتابًا ثم توقفت عن إكماله لشهور؟ هل تحمست لإنجاز عمل ثم تراجعت عنه؟ لماذا نتحمس لفكرة ثم نفتر عن تحقيقها؟
دعونا نتقدم بضع خطوات، ولنقرر أولًا: هل هذه الأهداف ضرورية وممكنة؟ هل هي مهمة لنا؟ لنتأمل أهميتها، وما الذي سنكسبه لو تحققت؟ أحيانًا نظن أن الحلم يحتاج إلى سفر قريب المقصد، وأحيانًا نظن أن التكلفة قليلة. والواقع أنه لا حلم بلا تكلفة، ولا مهارة دون تعب. يا صاحبي، يخدعك من يقول لك إنك تستطيع امتلاك جسد رشيق دون خطة. إذا أردت خسارة وزن، يلزمك برنامج مدروس. وإذا أردت تحقيق إنجاز، يلزمك تخطيط مسبق ومتقن، تحسب فيه كل شيء لتصل.
وضعت لي خطة لقراءة ألف كتاب، ولكني أدركت أن جزءًا من يومي يذهب في الطريق والسياقة. لذلك عدّلت خطتي، واستعنت باشتراك سنوي في منصة صوتية تدعم جدول قراءتي. أخذت أكتب مراجعات الكتب وأقيّم ما أقرأه وما أسمعه، حتى وُلد لي كتاب في هذا الشأن يتوّج رحلتي نحو قراءة ألف كتاب.
قد تتمنى شيئًا وتجد أمامك العوائق؛ هنا تحتاج أن تتعلم من الفروسية فن القفز على الحواجز. وأحيانًا تواجهك عقبة شاهقة يصعب تجاوزها، فلا تجد إلا عصا القفز بالزانة لتتخطاها. يا صاحبي، لماذا تحلم ثم تمزق أحلامك؟ لماذا لا تمنح نفسك فرصة لتجرب؟ هناك من جرب ونجح، وقد تكون أنت واحدًا منهم.
تقدم صديق بمشروع حالم، ولكنه توقف بعد أشهر. لماذا؟ لأن عقبة واحدة حالت بينه وبين الإنجاز. وهنا أدعوك لتضع أحلامك على ورق وتعيد دراستها من جديد. هل تساءلت مع نفسك: لماذا وصل الآخرون ولم تصل؟ لا تقل إنك مختلف عنهم؛ هناك خلل عليك أن تكتشفه. ولا تقل أنك أقل أو إن الحظ لا يحالفني؛ فأنت من تجعل الحظ يحالفك. يا صاحبي، أعد التفكير في مشاريعك الفاشلة، أو لنقل التي لم تنجح بعد، وتأمل تجارب من سبقك. فقد كاد أحدهم أن يعلن إفلاسه، لكنه في اللحظة الأخيرة وجد الحل، فلم لا تجده أنت أيضًا؟
كشف لي صديق عن مشروع متميز، وأبهرتني أفكاره الذهبية. قلت في نفسي: «ما شاء الله على هذا الفكر المتقد، لم يدع شاردة ولا واردة إلا حسب لها حسابًا». لكن عائقًا واحدًا أفشل كل ما بناه، وكأن كل أحلامه قلعة رملية انهارت على الفور.
كم من صاحبة أعمال بدأت مشروعًا متواضعًا ثم أصبحت مضرب المثل! نسمع مقولة «تسعة أعشار الرزق في التجارة»، ونتحمس لحظة، ثم تنطفئ الشرارة، بينما ينجح غيرنا. لماذا؟ أين الخلل؟ هل نحن أقل؟ هل هم أفضل؟ كيف نداوي داء الأحلام المتعثرة؟
ينقل لي صديق أن صاحبه جمع صفحات طويلة لكتابة كتاب، وظل شهور يجمع المصادر لكتابه العظيم، لكن ذلك الكتاب لم يبدأ حتى الآن! وهكذا تجتمع لدينا الأفكار ثم تذوب كما يذوب الملح في الماء.
بدأ أحدهم مشروعه بمحل صغير، فلما نجح، افتتح محلًا آخر على النهج نفسه في منطقة مناسبة، ثم توالت فروعه حتى أصبح يمتلك سلسلة محلات، وغدا علامة تجارية مشهورة.
والآن قل لي: لماذا لا تبدأ مشروعًا؟ لماذا لا تبدأ في تحقيق أحلامك؟ لماذا لا تضع لك الأسس، وتفكر كما يفكر الكبار؟
لنتأمل قصص النجاح الواقعية، لنتأمل شركات السيارات والمصانع والأدوية والعصائر وغيرها. إن مجرد القراءة تفتح لك الأفق، وحين تقرأ التجربة ينفتح لك منجم ذهب.
أحدثكم عن أحد أبرز الكُتّاب الذين سحروني أيام طفولتي؛ أحدثكم عن ديل كارنيجي، صاحب كتاب «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس». هذا الرجل الذي جذبني إليه بذكاء حكاياته المؤثرة وأفكاره المبدعة، لم أكن أدرك في صباي أن وراء هذا الكاتب الناجح تجربة تستحق التأمل، حتى بدأت ألتفت إلى قصص النجاح وما تخفيه من أسرار.
إننا نستخدم أجهزة آيفون، وبرمجيات مايكروسوفت، ونقود سيارات شهيرة، دون أن نعرف قصة النجاح التي سبقت هذا التميز. نرى المنتج بين أيدينا، لكننا لا نرى الطريق الذي قطعه أصحابه، ولا العقبات التي تجاوزوها، ولا الأفكار التي جعلتهم يصلون إلى ما وصلوا إليه.
ماذا لو قلت لك إنك قد تقترب من النجاح في مشروعك حين تكتشف سر نجاح من سبقك؟ إن في اقتفاء الأثر سرًّا؛ فقد تقودك الخطوات التي سار عليها غيرك إلى نتائج مبهرة لم تكن تحلم بها. فلماذا تبدأ من الصفر، وهناك تجارب تستحق أن تتعلم منها؟
يذكر بعض الناجحين أن القراءة كانت أحد العوامل التي أسهمت في نجاحهم؛ فهي توسع مدارك الإنسان، وتفتح أمامه أبوابًا من الأفكار والخبرات. فلماذا لا تقتفي أثرهم، وتجعل القراءة جزءًا من مشروعك؟
ليس النجاح بكثرة الأعمال، بل بإتقانها وجودتها. قد يعمل الإنسان ساعات طويلة دون أن يصل إلى هدفه، بينما هناك من يختصر الطريق؛ لأنه يعرف أين يضع جهده، ومتى يغيّر خطته.
قد يبدأ المرء بائعًا متجولًا، ثم يصبح ذا مكانة عالية، وقد يبدأ موظفًا بسيطًا ثم يكون مديرًا مرموق الرتبة. إن البدايات لا تحدد بالضرورة نهاياتها، والتجربة الصغيرة قد تكون بداية المشروع الكبير.
وهكذا تتسع الطموحات تلو الطموحات، خطوة بعد خطوة؛ فكرة تتبعها تجربة، وتجربة تكشف لك عائقًا، وعائق يدفعك إلى البحث عن حل.
يا صاحبي، لا تكتفِ بقراءة قصص الناجحين، بل تأملها، وابحث عن أسرارها، وخذ منها ما يناسب طريقك. والآن، انظر إلى مشاريعك الوردية؛ قد تراها بعيدة المنال، وانظر إلى أمنياتك الحالمة؛ قد ترى أنها مستحيلة. لكنك قد تغير رأيك حين ترى الفكرة التي معك انتقلت إلى شخص غيرك ونجحت.
والآن يا صديقي، لا تمزق أحلامك، ولا تخربش أوراق مشاريعك ولا تحرقها؛ فقد تستخرجها من الدرج وترى أن ما كنت تحلم به قد تحقق. فلم لا تعطِ الطموح فرصة؟!